في معنى بعض الكلمات السريانية التي أجراها الجليل على لسان خاصته

هذا ظاهر اللغة السريانية بالمعنى الرباني، و من تفرس فيها فهم كل أو جل ما يقال من المعاني، فلا يعجب عاقل من متكلم بلغة لا يفهمها أو لهجة لا يتقنها، فكيف تساهل بعض من إخواننا الذين يدعون العلم أن يعيبوا على العلماء بالله و على الربانيين الذين تعلموا بالله ما لا يعلمه الله إلا لأهل خاصته، بل و تخطوا الحدود و ركبوا الجحود ففسقوا و كفروا العلماء بالله، فلنرجع إلى بعض ما أنكره هؤلاء من الكلمات التي فاضت بها جوارح الأتقياء و الأولياء و التي بها جرّموهم..

فسق و كفر كل من هؤلاء الإخوة الظاهرين كل من لفظ بكلمة لا يعرفون معناها، كل منهم حسب ما تحويه سريرته و طويته مما قذف به غيره، منهم صاحب دليل الخيرات لأنه ذكر أن اسم (مُشَفّحٌ) من أسماء رسول الله الكريم صلى الله عليه و سلم، و أقول لهؤلاء الذين لم يبق من حصة الإيمان إلا اللسان أن من أسماء رسول الله الكريم أسماء أخرى لا عد لها و لا حصر أذكر منها (المَنْحَمَنّا)..

هذا فهمه بسيط إذا فهم هؤلاء أن تلك أسماؤه صلى الله عليه و سلم في الملإ الأعلى و في العوالم الربانية، و هي أسماء سريانية، و لها من المعاني ما لا تحمله الجبال، و لكن تحتمله قلوب الأتقياء من الرجال..

أما معنى "المنحمنا" فهي كلمتان و معناها النعمة لها النفع في الظاهر و الباطن، فأما النفع الظاهر هو ما تعلق في عالم الملك و عالم الأشباح من الشرائع و صيانة الحضارات و تحصيل الكرامات، و أما النفع الباطن هو ما تعلق بعالم الملكوت و هو عالم الأرواح، يعني عالم ما فوق العادة لمن هم دون العادة، و ذلك انسياق الكائنات و المكونات بكل الخيرات إلى قطب دائرة المعارف الرحموتية سيدنا محمد الذي قال فيه الحق سبحانه عز شأنه و تعظم سلطانه: (وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧)..

و كذلك إسمه صلى الله عليه (مشفح) و إحالته على المعنى السرياني تزيل اللبس على معناه وهي:

الرحمة العزيزة الطاهرة التي إذا دخلت على الخبث نفته و على الجنس طهرته سواء كان في المخلوقات أو الكائنات..

و لو أردنا أن نستفيض في هذا الاسم الجليل لسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم لأخرجنا منه من العلوم ما لا تطيقه صدور و أفئدة العموم..

و لكي لا أقول ردا على صاحب الفكر الصوفي في ميزان الكتاب و السنة و أمثاله و هم كثر، الذي قال أن أهل التصوف يأخذون الأوراد من أصحاب القبور، و قال في رواية (أحمى حميثا أطما طميثا) .. و لأنه لا يستحق ردا مصداقا لقوله تعالى: (خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩).. و لكن توضيحا لبعض الأحباب الذين لم يحالفهم الحظ في مجالسة الرجال و مراقبة أهل الأحوال للقصة: أن رجلا من أهل البداية حج بيت الله الحرام و عند انتهائه مر على زيارة قبر سيدي إبراهيم الدسوقي نفعنا الله به، فوقف عليه في المنام و لقنه دعاء هذا نصه:

(بسم الله الخالق الأكبر، و هو حرز مانع مما أخاف منه و أحذر، لا قدرة لمخلوق مع قدرة الخالق، يلجمه بلجام قدرته، أحمى حميثا أطمى طميثا، و كان الله قويا عزيزا، حمعسق حمايتنا كهيعص كفايتنا، فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم)..

فمن رأى الدعاء يعلم تمام العلم أن الزائر كان في خوف و حذر من أهل السلطة و السطوة، و منحة الكريم المنان في المنعة جرت حكمتها على هذا الولي الكامل سيدي إبراهيم الدسوقي نفعنا الله ببركته، و نرى هناك الدعاء مركزا على الكلمات السريانية، منها الحروف السريانية حمعسق و كهيعص و كذلك أربع كلمات أحمى حميثا أطمى طميثا..

و قد سبقت الإشارة إلى فواتح السور من الحروف، و لنتطرق إلى معنى هذه الكلمات الأربع:

قال سيدي عبد العزيز في الإبريز:

أحمى: معناه يا ملك، و في سره يا مالك الملك العظيم الأعظم الحي القيوم..

حميثا: إشارة إلى ملكه فالكلمة بمثابة من يقول: يا مالك الأسرار يا مالك الأنوار، يا مالك الليل و النهار، يا مالك السحاب المدرار، يا مالك الشموس و الأقمار يا واحد يا قهار... .

أطمى: صفة للحق تعالى بالعظمة و الكبرياء و القهر و الغلبة و العز و الانفراد و ذلك كأن تقول: يا قادرا على كل شيء، يا مدبر كل شيء، يا أول قبل كل شيء، يا آخر بعد كل شيء، يا ظاهرا بكل شيء، يا باطنا في كل شيء، يا قاهرا فوق كل شيء، يا من به و منه و إليه كل شيء، و لا يمكن لقلم أن يحد هذه المعاني الربانية و الأنوار الصمدانية..

طميثا: تشير إلى الحكمة و العلم و الإحاطة التي يتصرف بها الأشياء..

فسبحان ذي الملك و الملكوت، سبحان ذي العزة و الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان من لا زمان له و لا مكان، سبحان الموجود في كل مكان، سبحان الموجود لم يزل و لا ينام، سبحان المعبود في كل مكان، سبوح قدوس رب الملائكة و الروح..

و الذي عرف معنى هذه الكلمات يمكن له أن يحيل ما قاله سيدي أبو الحسن الشاذلي في دعائه: اللهم إني أسألك يا من هو أحون قاف أدم حم هاء آمين..

و الذي يعرف هذا يصح له أن يدخل دائرة السر الر بانية في الأسرار الشاذلية التي رمز إليها بالكلمات السبع: طهور بدعق محببه سوره محببه سقفاطيس سقاطيم..

أما الاسم الأول فهو خلاصة الاسم الأعظم المعظم الساكن في قوله تعالى: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨)

أما الثاني فهي دائرة السر النورانية التي هي ملاذ جميع الأولياء و الأتقياء من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، و من أجلها بعث جميع الأنبياء و المرسلين من سيدنا آدم إلى حبيب رب العالمين و هي جامعة مجموعة في الآيات البينات من كتاب الله تعالى: ( مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي
ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡ
َٔهُۥ فََٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا ٢٩)

فكيف يتطاول الأعمى على المخاصمة في حد و جمالية فسيح الساحات و البقاع؟ و كيف يناقش الأصم في القراءات و السماع؟؟ و كيف يتطاول العنين على وصف لذة الجماع؟؟؟..

و قبل الرجوع إلى الحرف القرآني نذكر شيئا من اللطائف لكي يتأكد المحبون أن سر الله سار بين الأحباب، و أن لا غياب له بين أولي الألباب، و أنه لغة سلهة متداولة بين أولي الفهم و الخطاب، أقطف للأحباب ما سلف ذكره في غير هذا الباب..

ذلك أن واحد من الأحباب (ولا أريد أن أذكر اسمه لأنه يكره ذلك) كان شيخهم يقول لهم كلمات لا يعرفون معانيها، و يقول لهم هذه أسرار احفظوها و احتفظوا عليها، و هي عشر كلمات سريانية..

و بعد وفاة الشيخ قدمها بين يدي هذا الحبيب الكريم بفضل من الله و جود منه سبحانه، و هذا مستهلها: كيكرا بردا...

فلما تصفحت معانيها وجدت أنه يقول لهم في الثلاث كلمات الأولى: أنه القطب المتصرف في الوقت.. و أنه غير مرخص له بالظهور أو هو مأمور بذلك..

و أما في السبع الكلمات الباقية فهو يصف لهم الطريق مدرجا مدرجا و منهجا منهجا و لا يستطيع عقل و لا قلم أن يحد هذه المعاني أو عقل أن يدرك هذه المرامي..

أقول للأحباب أن الكلمات جرتني إلى آيات في كتاب الله حسب المراقي السبع حيث يمكن للواحد أن يقرأ بجفر الغيب المقام الموالي ثم الذي يليه.. كان رضي الله عنه يصف لهم الطريق، يعني طريق القوم بمقاماتها و في ذلك تدبير عظيم لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون باجتهاد البشر و إنما هو هبة الله تعالى يكرم بها أولياءه و أحباءة ، فسبحان الذي علم الإنسان ما لم يعلم.. و تبارك الله أحسن الخالقين، و أقول للأحباب أن الشيخ الذي لفظ بهذا كان أميا..

و أذكر قصة أخرى، ذلك أن واحد من علماء فاس أراد أن يزور مقام مولانا عبد السلام ابن مشيش رضي الله و أرضاه، فأشرت إليه بالتوجه إلى رجل هناك منزوي في ركن من الأركان، يعيش في خراب دائم، فقلت له زره إن كانت لك نية صادقة في الله و رسوله، فقال لي أفعل، فقلت له خذ معك قلم فعندما ينتهي من الحديث معك فسوف يقول لفظا لا تعرف معناه، فاكتبه لي و سوف أخبرك بمعناه إن شاء الله..

فلما وصل إليه، و الحمد لله أن الرجل كان من أهل الفهم ففهم كل ما رمز إليه الولي الصالح، و أرشده إلى كل ما أشكل عليه، و في الأخير قال كلمتان سريانيتان، كتبها الرجل و رجع إلي بهما، أذكرهما و هما: أرَزٍ أرَزٍ أزَلٍ أزَلٍ ، فلما تفحصت معانيهما قلت له يقول لك الرجل: إصرارك على الصغائر و إهمالك لها جعلك من أهل الكبائر، و بذلك وقعت لك الكثافة، فبحثت معه في ذلك و هي الفضاضة مع الأولاد، و الخفة في القرار و التخلف عن الجماعة و الطمع في غير الله و الخوف على الرزق، فكان فهم الرجل على أحسن ما يرام...

و أقول: أن هذه الأمور هي صغائر عند الصغار مثلي و مثل هذا الرجل المذكور، و أما عند الجبال فإنها من أكبر الكبائر و أعظم الذنوب، و الكلام طويل في هذا المضمار و صاحب النية الصادقة في دين الله و المتمسك بسنة رسول الله تكفيه الإشارة و تنبهه، و من الغفلة توقظه، و في هذا كفاية لمن سبقت له من الكريم العناية..

 

فهرس المواد


زور أيضا

ردود لا مفر منها

وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨    اللهم إنك سلطت علينا شيطانا عدوا لنا بصيرا بعيوبنا مطلعا على عوراتنا يرانا هو قبيله من حيث لا نراهم، اللهم أيِّسه منا كما أيَّسته...

الطب على الأنوار المحمدية

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ الملك الرب الإله القادر ذي العرش العظيم، أشهد أن لا إله إلا هو.. واحد في ملكه.. غالب على أمره.. رحيم بخلقه.. عدل في عطائه.. لا يُخذل من عليه اعتمد ، و لا يَضلُّ من عليه توكل.. و لي المؤمنين، بما هو منه...


تعليق (0)

تعليق جديد