1# من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند نزول الزلل.

الاعتماد على الشيء هو الاستناد عليه و الركون إليه، و العمل حركة الجسم أو القلب، فإن تحرك بما يوافق الشريعة سمي طاعـة، و إن تحرك بما يخالف الشريعة سمي معصية، و الأعمال عند أهل الفن على ثلاثة أقسام:

   عمل بالشريعة، و عمل بالطريقة، و عمل بالحقيقة .

   أو تقول : عمل الإسلام و عمل الإيمان و عمل الإحسان .

   أو تقول : عمل العبادة و عمل العبودية و عمل العبودة أي الحرية .

   أو تقول : عمل أهل البداية ، و عمل أهل الوسط ، و عمل أهل النهاية .

   فالشريعة  أن تعبده ، و الطريقة أن تقصده ، و الحقيقة أن تشهده ..

   أو تقول : الشريعة لإصلاح الظواهر ، و الطريقة لإصلاح الضمائر ، و الحقيقة لإصلاح السرائر ..

   و إصلاح الجوارح بثلاثة أمور : التقوى و التربية و الاستقامة ..

   و إصلاح القلوب بثلاثة أمور: الإخلاص و الصدق و الطمأنينة ، و إصلاح السرائر بثلاثة أمور : المراقبة و المشاهدة و المعرفة ..

   أو تقول: إصلاح الظواهر بالاجتناب النواهي و امتثال الأوامر، و إصلاح الضمائر بالتخلي عن الرذائل و التحلي بأنواع الفضائل، و إصلاح السرائر، و هي هنا الأرواح بذلها و انكسارها حتى تتهذب، و ترتاض الأدب و التواضع، و حسن الخلق، و اعلم أن الكلام هنا إنما هو في الأعمال التي توجب تصفية الجوارح أو القلوب أو الأرواح ، و هي ما تقدم تعيينها لكل قسم .

   و أما العلوم و المعارف، فإنما هي ثمرات التصفية و التطهير، فإذا تطهرت الأسرار ملئت بالعلوم و المعارف و الأنوار، و لا يصح الانتقال من مقام حتى يحقق ما قبله، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فلا ينتقل إلى عمل الطريقة حتى يحقق عمل الشريعة و ترتاض جوارحه معها بأن يحقق التوبة بشروطها، و يحقق التقوى بأركانها، و يحقق الاستقامة بأركانها، و هي متابعة الرسول صلى الله عليه و سلم في أقواله و أفعاله و أحواله، فإذا تزكى الظاهر و تنور بالشريعة، انتقل من عمل الشريعة الظاهرة إلى عمل الطريقة الباطنة، و هي التصفية من أوصاف البشرية على ما يأتي، فإذا تطهر من أوصاف البشرية تحلى بأوصاف الروحانية، و هي الأدب مع الله في تجلياته التي هي مظاهره، فحينئذ ترتاح الجوارح من التعب، و لا يبقى إلا حسن الأدب .

قال بعض المحققين: من بلغ إلى حقيقة الإسلام لم يقدر أن يفتر عن العمل، و من بلغ إلى حقيقة الإيمان لم يقدر أن يلتفت إلى العمل بسوى الله، و من بلغ إلى حقيقة الإحسان لم يقدر أن يلتفت إلى أحد سوى الله .

و لا يعتمد المريد في سلوك هذه المقامات على نفسه و على عمله ، و لا على حوله و قوته ، و إنما يعتمد على فضل ربه ، و توفيقه و هدايته و تسديده ، قال تعالى : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) القصص/68، و قال تعالى : (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) هود/118 ، و قال صلى الله عليه و سلم: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله "، قالوا و لا أنت يا رسول الله ، قال : "و لا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "،

فالاعتماد على النفوس من علامة الشقاء و البؤس، و الاعتماد على الأعمال من عدم التحقق بالزوال، و الاعتماد على الكرامة و الأحوال من عدم صحبة الرجال، و الاعتماد على الله من تحقق المعرفة بالله .

و علامة الاعتماد على الله، أنه لا ينقص رجاؤه إذا وقع في العصيان، و لا يزيد رجاؤه إذا صدر منه إحسان ..

   أو تقول: لا يعظم خوفه إذا صدرت منه غفلة ، كما لا يزيد رجاؤه إذا وقعت منه يقظة، قد استوى خوفه و رجاؤه على الدوام ، لأن خوفه ناشئ عن شهود الجلال ، و رجاؤه ناشئ عن شهود الجمال ، و جلال الحق و جماله لا يتغيران بزيادة و لا نقصان ، فكذا ما ينشأ عنهما بخلاف المعتمد على الأعمال ، فإذا قل عمله قل رجاؤه ، و إذا كثر عمله كثر رجاؤه لشركه مع ربه ، و تحققه بجهله ، و لو فنى عن نفسه ، و بقي بربه لاستراح من تعبه ، و تحقق بمعرفة ربه ، و لا بد من شيخ كامل يخرجك من تعب نفسك إلى راحتك بشهود ربك ، فالشيخ الكامل هو الذي يريحك من التعب ، لا الذي يدلك على التعب ، فمن دلك على العمل فقد أتعبك ، و من دلك على الدنيا فقد غشك ، و من دلك على الله فقد نصحك كما قال الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه .

و الدلالة على الله هي الدلالة على نسيان النفس ، فإذا نسيت نفسك ذكرت ربك ، قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) الكهف 23، أي ما سواه، و سبب التعب هو ذكر النفس، و الاعتناء بشؤونها و حظوظها ، و أما من غاب عنها فلا يلقى إلا الراحة.. و أما قوله تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)  البلد/4 ،أي في تعب ، فهو خاص بأهل الحجاب ، أو تقول خاص بأحياء النفوس ، و أما من مات فقد قال فيه تعالى : (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) الواقعة 89 ، أي فروح الوصال و ريحان الجمال و جنة الكمال ، و قال تعالى : (لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ) الحجر 48 ، أي تعب ، و لكن لا تدرك الراحة إلا بعد التعب ، و لا يحصل الظفر إلا بالطلب ، حفت الجنة بالمكاره..

 

 

 أيهـا العاشـق معنى حسننـا   ***   مهرنا غال لمن  يخطبنــا
جسد مضني و روح  في العنـا   ***  و جفون لا تذوق الوسنـا
و فؤاد  ليس فيه  غيرنـــا   ***  و إذا ما شئت أد الثمنــا
فافن إن شئت فناء سرمــدا   ***  فالفنا يدني إلى ذاك الفنــا
و اخلع النعلين إن جئت إلـى  ***  ذلك الحي ففيه قدسنـــا

و عن الكونين كن  منخلعــا  ***   و أزل  ما  بيننا من بينــنا
      و إذا قيل من تهوى  فقـــل  ***   أنا من أهوى و من أهوى أنـا

 

و قال في حل الرموز : ثم اعلم أنك لا تصل إلى منازل القربات حتى تقطع ست عقبات :

العقبة الأولى : فطم الجوارح عن المخالفات الشرعية .

العقبة الثانية : فطم النفس عن المألوفات العادية .

العقبة الثالثة : فطم القلب عن الرعونات البشرية .

العقبة الرابعة : فطم النفس عن الكدورات الطبيعية .

العقبة الخامسة : فطم الروح عن البخورات الحسية .

العقبة السادسة : فطم العقل عن الخيالات الوهمية .

فتشرف من العقبة الأولى على ينابيع الحكم القلبية، و تطلع من العقبة الثانية على أسرار العلوم اللدنية، و تلوح لك في العقبة الثالثة أعلام المناجات الملكوتية، و يلمع لك في العقبة الرابعة أنوار المنازلات القربية، و تطلع لك في العقبة الخامسة أنوار المشاهدات الحبية، و تهبط من العقبة السادسة على رياض الحضرة القدسية، فهناك تغيب بما تشاهده من اللطائف الأنسية و الكثائف الحسية، فإذا أرادك لخصوصيته الاصطفائية سقاك بكأس محبته شربة تزداد بتلك الشربة ظمأ ، و بالذوق شوقا ، و بالقرب طلبا، و بالسكر قلقا . اهـ

المراد منه تتميمٌ أشكل على بعض الفضلاء في قوله تعالى: (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل 33 ، مع قوله صلى الله عليه و سلم: " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" الحديث .

و الجواب أن الكتاب و السنة وردا بين شريعة و حقيقة ، أو تقول بين تشريع و تحقيق ، فقد يشرعان في موضع و يحققان في آخر في ذلك الشيء بعينه، و قد يحققان في موضع و يشرعان فيه في آخر، و قد يشرع القرآن في موضع و تحققه السنة، و قد تشرع السنة في موضع و يحققه القرآن، فالرسول عليه الصلاة و السلام مبين لما أنزل الله، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل44 .. فقوله تعالى : (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) هذا تشريع لأهل الحكمة و هم أهل الشريعة، و قوله صلى الله عليه و سلم : " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" هذا تحقيق لأهل القدرة ، و هم أهل الحقيقة ، كما أن قوله تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ) الإنسان 30 ، تحقيق ، و قوله صلى الله عليه و سلم : " إذا هم أحدكم بحسنة كتبت له حسنة " تشريع ...

و الحاصل ، أن القرآن تقيده السنة، و السنة يقيدها القرآن، و الواجب على الإنسان أن تكون له عينان ، إحداهما تنظر إلى الحقيقة والأخرى تنظر إلى الشريعة، فإذا كان القرآن قد شرع في موضع فلا بد أن يكون قد حقق في موضع آخر، أو تحققه السنة، و إذا كانت السنة قد شرعت في موضع، فلا بد أن تكون قد حققت له في موضع آخر، أو حققها القرآن، و لا تعارض حينئذ بين الآية و الحديث، و لا إشكال..

   و هناك جواب آخر، و هو أن الله سبحانه و تعالى لما دعا الناس  إلى التوحيد و الطاعة على أنهم لا يدخلون فيه من غير طمع، فوعدهم بالجزاء على العمل، فلما رسخت أقدامهم في الإسلام، أخرجهم صلى الله عليه و سلم من ذلك الحرف و رقاهم إلى إخلاص العبودية، و التحقق بمقام الإخلاص، فقال لهم : " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " و الله تعالى أعلم .

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 153

   قلت: إذا أقام الحق تعالى عبده في حالة لا يستقبحها الشرع، و لا يذمها سليم الطبع، فلا ينبغي له الانتقال عنها بنفسه حتى يكون الحق تعالى الذي أدخله فيها هو الذي يتولى إخراجه منها، (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ...

Sagesse 11 arabe

النفع إيصال الفائدة، و القلب القوة المستمدة لقبول العلم، و العزلة انفراد القلب بالله، و قد يراد بها الخلوة التي هي انفراد القلب عن الناس، و هو المراد هنا، إذ لا ينفرد القلب في الغالب إلا إذا انفرد القالب، و ميدان، مجال الخيل، استعير هنا للأفكار،...

Sagesse 168

 علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجوب طاعته،  فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب، عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل. أوجب عليك وجوب طاعته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنتـه    قلت: هذه حكمة التشريع لكنه ما ذكر إلا...


تعليق (0)

تعليق جديد