105# كيف تخرق لك العوائد و أنت لم تخرق من نفسك العوائد.

   قلـت: العوائد كل ما تعودته النفس و ألفته و استمرت معه حتى صعب خروجها عنه، سواء كان ظلمانيا أو نورانيا، كتتبع الفضائل و كثرة النوافل، و هي على قسميــن:

   عوائد ظاهرة حسية و عوائد باطنة معنوية..

   فمثال العوائد الحسية كثرة الأكل و الشرب و النوم و اللباس و خلطة الناس و الدخول في الأسباب و كثرة الكلام و المخاصمة و العتاب، و الاستغراق في العبادة الحسية أو العلوم الرسمية و غير ذلك..

   و مثال العوائد المعنوية، حب الجاه و الرياسة و طلب الخصوصية و حب الدنيا و المدح، و كالحسد و الكبر و العجب و الرياء، و الطمع في الخلق و خوف الفقر، و هم الرزق و الفظاظة و القسوة و غير ذلك مما تقدم..

   فمن خرق من نفسه عوائدها الحسية بالرياضات القهرية خرقت له العوائد الحسية كالطيران في الهواء و المشي على الماء و نفوذ الدعوة و غير ذلك من الكرامات الحسية..

   و من خرق من نفسه عوائدها المعنوية، خرقت له العوائد الباطنية، كرفع حجب الغفلة و تطهير القلوب و كشف الحجاب و فتح الباب و تحقيق العرفان و الترقي إلى مقام الإحسان و هذا هو المعتبر عند الأكياس، و هو المطلوب من سائر الناس..

   و أما خرق العوائد الحسية فقد تكون لمن ليست لهم خصوصية كالسحرة و أرباب الشعوذة، نعم من جمع بينهما خرقت له فيهما، فكيف تطلب أيها المريد أن تخرق لك عوائد نفسك حتى تدخل حضرة قدسك و أنت لم تخرق عوائد نفسك، فما حجب النفس عن الشهود إلا ما تعودته من رؤية هذا الموجود، فلو غابت عن رؤية هذا الموجود لتحقق لها أمر الشهود، و لا يمكن أن تغيب عنه إلا بخرق عوائد نفسها، و قد تقدمت حكاية الرجل الذي كان مع أبي يزيد ثلاثين سنة فلم يذق شيئا، فقال له: لو صليت ثلاثمائة سنة لم تذق شيئا لأنك محجوب بنفسك، ثم قال له أذهب الساعة إلى الحجام و احلق رأسك و لحيتك و انزع هذا اللباس و اتزر بعباءة و خلق في عنقك مخلاة و املأها جوزا و اجمع الصبية حولك و قل بأعلى صوتك، من يصفعني صفعة أعطيه جوزة، و ادخل السوق و أنت على هذه الحال حتى ينظر إليك كل من عرفك، ثم قال له: فلا مطمع لأحد فيما حجب عن العامة من أسرار الغيب حتى تموت نفسه، و يخرق عوائد العامة، فحينئذ تخرق لك العوائد و تظهر لك الفوائـد /.

   و تقدمــت أيضا في باب الخمول قصة الغزالي و الششتري و المجذوب و غيرهم ممن خرقوا العوائد، و ظهرت لهم الفوائد، و أما من بقي مع عوائد نفسه فلا يطمع أن يتمتع بحضرة قدسه، قال الشيخ أبو المواهب رضي الله عنه: من ادعى شهود الجمال قبل تأدبه بالجلال فارفضه، فإنه دجــال؛ و لا جلال أعظم على النفس من خرق عوائدها، كتبديل العز بالذل و الغنى بالفقر و الجاه بالخمول و غير ذلك..

   و قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: اللهم إن القوم قد حكمت علهم بالذل حتى عزوا و حكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا، فلا مطمع في نيل العز بالله حتى يتحقق بالذل له، و لا في نيل الغنى به حتى يتحقق بالفقد مما سواه، و قال أبو حمزة البغدادي رضي الله عنه: علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى و يذل بعد العز و يخفى بعد الشهرة /.

   فهذه الأخبار كلها تدل على أن خرق عوائد النفس شرط في تحقق نيل الخصوصية، فمن ادعاها قبل أن يخرقها فهو كذاب كما تقدم عند أبي المواهب، و كتب شيخ شيوخنا رضي الله عنه إلى بعض الإخوان: أمــا بعد: فإن أردتم أن تكون أعمالكم زكية، و أحوالكم مرضية، فقللوا من العوائد، فـإنها تمنع الفوائـد/.

   و سمعته رضي الله عنه يقول: من جملة العوائد تتبع الفضائـل، و كثرة النوافل، فإنه يشتت القلب..

 و إنما يلزم المريد ذكرا واحدا و عملا واحدا، كل واحد مما يليق به، أو كلام هذا معناه، فخرق العوائد إبدالها بضدها، كتبديل كثرة الأكل و النوم بالجوع و السهر، و كتبديل كثرة اللباس بالتقلل منه أو ما خشن منه كالمرقعات و نحوها، و كتبديل الخلطة بالعزلة و الأسباب بالزهد، و الكلام بالصمت و سوء الخلق بحسن الخلق، و كتبديل حب الجاه و الرياسة بالذل و الخمول و سقوط المنزلة عند الناس، و حب الدنيا بالزهد فيها و الفرار منها، و كاتصافه بالتخلية من الرذائل و التحلية بالفضائل، فإذا تحقق المريد بهذه الأمور خرقت له العوائد على ما يريد حتى يكون بســم الله عنده موافقة، لكن من الله، فيكون أمره بالله، و ما ذلك على الله لعزيز، و لا بد لخرق العوائد الباطنية من شيخ كامل جامع بين حقيقة و شريعة يحملك بهمته، فإذا رميت يدك في نفسك حملتك الهمة و نصرتك القدرة، فقتلتها بالمرة، و أما إذا لم يكن لك شيخ، كلما قتلتها رجعت أكبر مما كانت، و لا تموت النفس الحية إلا مع الأموات..

   قال شيخ شيوخنا رضي الله عنه: هذا الأمر مجرب، و بالله التوفيق..

 و خرق العوائد الباطنية التي هي رفع الحجاب و شهود المحبوب لا يكون بمجرد الطلب دون السعي في السبب مع تحقق الأدب كما نبه على ذلك بقوله:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 200

ليقل ما تفرح به يقــل ما تحـزن عليـه    قلت: فإذا أردت أن يدوم سرورك فلا تملك شيئا تحزن على فقده، لأن حزنك على فقدك دليل محبتك له، فإذا اقتصرت على الضرورة و الحاجة من مال او جاه أو عز أو غير ذلك، فلا تجد ما تفقده حتى...

Sagesse 165

   قلت: هذا ميزان صحيح، و في حق السائرين المشتغلين بالجهاد الأكبر قال تعالى:( و جاهدوا في الله حق جهاده) و قال تعالى:( و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، فكل ما يثقل على نفس المريد و تنفر منه فهو حق، و الواجب على المريد اتباعه، و كل...

Sagesse 125

   قلـت: السائر الصدّيق، أو الواصل إلى التحقيق، كالراكب المسير جادا في المسير، كاد من السرعة أن يطير، فإذا وقعت منه كبوة أو سقطة، أو صدرت منه هفوة أو عثرة، استوى على جواده، و استمر على إغارته في طلب مراده، فإذا سقط و جعل يتمرغ في سقطته...


تعليق (0)

تعليق جديد