107# ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، و لا أسرع بالمواهب لديك مثل الذلة و الافتقار.

   قلـت: إنما كان طلب العارفين بلسان الحال دون المقال لما حققهم به من وجود معرفته حتى شهدوا منته في محنته، و نعمته في نقمته، فإذا تجلى لهم بالقوة و الجلال، تلقوه بالضعف و الإذلال، فحينئذ يتجلى لهم باسمه الجميل فيمنحهم كل جميـل، و إذا تجلى لهم باسمه العزيز أو القهار، تلقوه بالذلة و الافتقار، فتتوارد عليهم المواهب الغزار، فإذا أردت أيها العارف أن تطلب من مولاك شيئا جلبا أو دفعا، فعليك بالاضطرار، و الاضطرار هو أن يكون في الغريق في البحر، أو الضال في التيه القفر، و لا يرى لغيابه إلا مولاه، و لا يرجو لنجاته من هلكته أحدا سواه، فما طلب لك من مولاك شيء مثل اضطرارك إليه، و الوقوف بين يديه، متحليا بحلية العبيد، هناك تنال كل ما تريد كما قال الشاعر:

أدب العبيد تذلل

و العبد لا يدع الأدب

فإذا تكامل  ذله

     نال  المودة  و اقترب

و قال آخــر:

و ما رمت الدخول عليه حتى

حللت  محلة   العبد    الذليل

و أغضيت الجفون على قذاها

و صنت النفس عن قال و قيل

   و إذا أردت ورود المواهب عليك، و هي العلوم اللدنية و الأسرار الربانية، فلا شيء أسرع لك بها مثل الذلة و الافتقار بين يدي الحليم الغفار، يكون ذلك قلبا و قالبا، فينبغي لك حينئذ أن تستعد لكتب المواهب و نيل المراتب، قال تعالـى: (إنما الصدقات للفقراء و المساكيــن) التوبة60، و قال تعالـى: ( أمن يجيب المضطر إذا دعـاه) النمل62، و قال تعالى: (و لقد نصركم الله ببدر و أنتم أذلــه) آل عمران123، و قال صلى الله عليه و سلــم:" إن النصر مع الصبر و إن الفرج مع الكرب و إن مع العسر يسرا " و قال سهل بن عبد الله رضي الله عنه: ما أظهر عبد فاقة إلى الله في شيء إلا قال تعالى للملائكة:" لولا أنه لا يحتمل كلامي لأجبته لبيك لبيـــك " /.

   فإذا طلبت الدخول مع الأحباب، فقف ذليلا حقيرا بالباب حتى يرفع بينك و بينهم الحجاب من دون حيلة منك و لا أسباب، و إنما هو فضل من الكريم الوهاب كما أشار إلى ذلك بقولــه:

 

الوصول إلى الله لا يكون إلا بفضله سبحانه

 

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 222

   قلت: أما القوم الذين تسبق أنوارهم أذكارهم فهم الواصلون، و أما الذين تسبق أذكارهم أنوارهم فهم السائرون، الأولون لهم أنوار المواجهة، لا تفارقهم، فهم ذاكرون على الدوام، فإذا أرادوا أن يذكروا باللسان سبقت إلى قلوبهم الأنوار، فكانت...

Sagesse 18 arabe

همة السالك هي القوة الباعثة له على السير، و وقوفها مع الشيء هو اعتقادها أن ما وصلت إليه هو الغاية، أو فيه كفاية، و هواتف الحقيقة هي لسان حال الكشف عن عين التحقيق، و تبرج الشيء ظهوره في حال الزينة لقصد الإمالة، و ظواهر المكونات هو ما كساها من الحسن...

Sagesse 190

   الوارد الإلهي هو قوة شوق أو اشتياق أو محبة يخلقها الله في قلب العبد، و قد تنشأ عن قوة خوف أو هيبة أو جلال، فتزعجه تلك القوة إلى النهوض إلى مولاه، فيخرج عن عوائده و شهواته و هواه، و يرحل إلى معرفة ربه و رضاه، و قد تترادف عليه أنوار...


تعليق (0)

تعليق جديد