113# خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه.

   قلــت: و لا يوجد هذا الوصف المجيد إلا للغني الحميد، الفعال لما يريد، يحب من يشاء بلا علة و لا سبب، و يمقت من يشاء بلا ضرر يلحقه و لا تعب، يقرب من يشاء بلا عمل، و يبعد من يشاء بلا زلل، لا يسأل عما يعمل و هم يسألون، و لو شاء ربك ما فعلوه، و لو شاء الله لهدى الناس جميعا، و كلامنا إنما هو مع أهل التحقيق، و أما باعتبار الحكمة و أهل التشريع، فلا يظلم ربك أحدا، و لكن فاعل السبب هو فاعل المسبب، من وجد خيرا فليحمد الله، و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، و للجبلــي رحمه الله:

إن كنت في حكم الشريعـة عاصيـا     *****     فإني فـي حكم الحقيقـة طائـــع

 

   فخير من تصحبه أيها الإنسان، مولاك الذي يطلبك لحضرته، و يجتبيك لمحبته، من غير نفع يعود منك إليه، و إنما هو برور و إحسان منه إليك، فكيف تتركه و تطلب الأنس بغيره، و ضرره أقرب من نفعه..

   قال بعضهم: جرب الناس تجدهم عقارب، فإذا طلبت الصحبة فاصحب العارفين الذين ينهضك حالهم، و يدلك على الله مقالهم، و لله در العينية و هو يقول في عينيته:

فشمر و لذ بالأولياء فإنهـــــم     ****      لهـم في كتاب الحـق تلـك الوقائــع

هـم الذخر للملهوف و الكنز و الرجا    ****      و منهم ينال الصب مـا هـو طامــع

بهم يهتدي للعين من ضل في العمــى    ****      بهم يجذب العشاق و الربـع شاســـع

هم القصد و المطلـوب و السؤل و المنى    ****     و اسمهم للصبر فـي الحـب شـافــع

هم الناس فالزم إن عرفـت جنابهــم     ****       ففيهم لضـر العالميــن منـافـــع

 

   وقال في التحذير من صحبة غيرهم من الغافلين و العوام:

و قاطـع لمن واصلت أيام غفلــة      ****       فما واصـل العـذال إلا مقـاطــــع

و جانب جنـاب الأجنبي لو أنــه     ****       لقرب انتساب في المنــام  مضـاجــع

فللنفس من جـلاسها كـل نسبـة     ****       و مـن خلة للقلـب تلــك   الطبائـع

 

    و الحاصل أن صحبة من يوصـل إلى الله، فما هي إلا صحبة الله، إذ ما ثم سواه، و النظر إلى العارف بالله، فإنما هو نظر إلى الله، إذ لم تبق فيه بقية عليه لغير الله، فصار نورا محضا من نور الله، و فيهم قال صلى الله عليه و سلم: "إن لله رجالا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا "، و هم موجودون لا ينقطعون أبدا، ظاهرون ظهور الشمس، لا يخفون إلا على من أراد الله منه طردا و بعدا و العياذ بالله من السلب بعد العطاء، و من سوء القضاء و شماتة الأعداء، و عضال الداء، و خيبة الرجاء، و زوال النعمة و فجأة النقمة آميـــن..

 

رؤية الدنيا و الآخرة بنور اليقين

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 208

   قلت: التواضع الحقيقي هو تواضع العارفين، لأنه ناشئ عن شهود عظمة الحق، و تجلي ذاته و صفاته، و هو من عطف التفسير، لأن تجلي الصفات هو عين عظمة الذات، و ذلك أن الحق تعالى كان في أزله القديم متصفا بصفاته و متسميا بأسمائه في خفاء و لطف،...

Sagesse 166

   قلت: هذا ميزان آخر، و إن شئت قلت هو داخل في الميزان الأول، إن من شأن النفس أن يثقل عليها الواجب لمشاركة الناس لها فيه، إذ جل الناس يفعلونه فلا يظهر لها فيه مزية على غيرها، هي أبدا تحب الخصوصية بخلاف النوافل فإنها تبطش إليها و تحب...

Sagesse 227

   قلت: إذا قلت شواغلك في الظاهر و عوائقك في الباطن، ثم لم تتوجه إليه في ظاهرك، و لم ترحل إليه في باطنك، فهو علامة غاية الخذلان الكبير، لأن جل الناس ما حبسهم عن التوجه إلى الله إلا كثرة أشغالهم الحسية، فاشتغلت حواسهم بخدمة الدنيا...


تعليق (0)

تعليق جديد