117# أظهر كل شيء لأنه الباطن، و طوى وجود كل شيء لأنه الظاهر.

   قلـت: مضنه أن اسمه تعالى الباطن يقتضي ظهور الأشياء حسا ليكون باطنا بحسب ظهور حسها، لأن الحس رداء أسرار المعاني، و اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء أي هلاكها و اضمحلالها ليكون ظاهرا بما ظهر منها، هذا معنى قوله: أظهر كل شيء بأنه الباطن أي بسبب أنه الباطن ليتحقق بطونه فيها، و طوى وجود كل شيء، بسبب أنه الظاهر ليتحقق انفراده بالظهور فيها، و الحاصل أن الحصر في قوله تعالى:(و الظاهر) يدل على أنه لا ظاهر معه، فانطوى وجود الأشياء و اضمحل لها، و قوله تعالى:(و الباطن) يدل على أنه لا باطن سواه فبطنت الأشياء كلها بعد ظهورها، فدل كلامه سبحانه، أن ما ظهر به هو الذي بطن به، و الذي بطن به هو الذي ظهر به، و إلا لم يصح الحصــر..

   فإن قلـت: المقابلان لا يجتمعان كالضدين، و كيف جمعتهما في ذات واحدة، قلـت: لم يتواردا على محل واحد بل ذلك باعتبارين، فاسمه الظاهر باعتبار الحس في عالم الحكمة، و اسمه الباطن باعتبار المعنى في عالم القدرة، فالحكمة ظاهرة و القدرة باطنة..

   أو تقـول: ظاهر باعتبار مظاهر الربوبية باطن باعتبار قوالب العبودية..

أو تقـول: ظاهر باعتبار التعريف، باطن باعتبار التكييف، فالذات واحدة و الاعتبارات مختلفة و ذلك كثير.

فتحصــل أن الحق سبحانه و تعالى ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، و ما بطن به هو الذي ظهر فيه، أي ما ظهر فيه بحكمته هو الذي بطن فيه بقدرته، و ما بطن فيه بقدرته هو الذي ظهر فيه بحكمته، و هو الذي قصده الشاعر بقوله:

لقـد ظهرت لا تخفى علـى أحــد   ****    إلا علـى أكمـه لا يبصـر القمــرا

لكن بطنت بمـا أظهـرت محتـجبـا    ****     و كيف يعـرف من بالعـزة استتــرا

        و الله تعالى أعلم..

   تنبيــه: كنت قد سألت الشيخين، أعني شيخنا و شيخه عن الخمرة الأزلية، قبل تجليها، هل تسمى ظاهرة أو باطنة، أو إنما تسمى باطنة فقط للطافتها حينئذ، فأجابني بأن ما كان هو الذي ظهر، و ليس الذي ظهر غير ما كان في الأزل، كان الله و لا شيء معه و هو الآن على ما عليه كان،

   يعني أن الذات العلية كما كانت متصفة بصفائها و أسمائها في الأزل، بقيت كذلك فيما لا يزال، فكان في الأزل ظاهرا باطنا، و بقي بعد التجلي كذلك ظاهرا لنفسه باطنا عن خلقه، ما تجلى به ظاهرا هو فيه أيضا باطن،

   و قال القاشائي في شرح تائية ابن الفارض ما نصه بعد كلام: و أظهر الحق تعالى سر ذاته و صفاته في مظاهر أفعاله، و ما كان لخفائه عليه قبل ذلك، كما حكاه عن المحبوبية بلسان الجمع في قوله:

مظاهر لي فيهـا بدوت و لم أكـن           علي بخـاف قبـل بواطـن بـرزت

   و لكن ليجلى باسمه الظاهر آخرا كما كان متجليا باسمه الباطن أولا، و العجب كل العجب أنه تعالى ما ظهر بشيء من مظاهر أفعاله إلا و قد احتجب به كما قال:

بـدت باحتجاب و اختفـت بمظـاهر        على صيـغ الأكـوان في كل بـرزت

   انتهى كلامه رضي الله عنه/.

   و التحقيق أن يقال أنّ الحق تعالى لم يزل متصفا بأسمائه و صفاته في الأزل و فيما لا يزال، لكن ظهور لآثارها وقع فيما لا يزال، فكان متصفا باسمه الظاهر و الباطن في الأزل، و ظهر بعد ذلك آثارهما فيما لا يزال و الله تعالى أعلـم.

 

الفرق بين النظر إلى المكونات، و إلى ذوات المكونات

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 191

   قلت: إنما كان الوارد الذي يرد على قلوب السائرين أو الطالبين قويا شديدا، لأنه يأتي من حضرة اسمه تعالى "القهار" ليدمغ بقهريته كل ما وجد في النفس أو القلب من الأغيار، و إنما قلنا من حضرة اسمه القهار، لأن الحق تعالى له حضرات بعدد...

Sagesse 172

   قلت: لا شيء أن نيل الشيء بعد الطلب ألذ أعز من المساق بغير تعب، و المحبة بعد القطيعة أحلى من المحبة بلا قطيعة، و الصفاء بعد الجفاء أصفى من الصفاء بلا جفاء، و فطام النفس على مألوفاتها و عوائدها أشد معالجة من النفس السلسة المنقادة من...

Sagesse 205

متى آلمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فيك، فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم    قلت: إذا سلط الله عليك خلقه ليختبرك هل أنت غني به أو بخلقه، فأدبروا عنك...


تعليق (0)

تعليق جديد