119# الأكوان ثابتة بإثباته و ممحوة بأحدية ذاته.

      قلـت: الأكوان هي ما ظهر في عالم الشهادة، أو تقول ما دخل عالم التكوين، و هي موجودة بوجود الحق، قائمة به ثابتة بإثباته ليعرف بها، ممحوة بأحدية ذاته لانفراد وجوده، فمن أثبتها لنفسها فقد جهله فيها، و حجب بها عن شهود موجدها، و من أثبتها بالله، فقد عرف فيها و شهد فيها مولاها، فالثبوت للأكوان أمر عوضي و الحق اللازم هو وجود أحدية الحق تعالى، و الأحدية مبالغة في الوحدة، و لا تتحقق إلا إذا كانت الوحدة، بحيث لا يتمكن أن يكون أشد و أكمل منها، فمن مقتضى حقيقتها محو الأكوان و بطلانها بحيث لا توجد، إذ لو وجدت لم تكن أحدية، و لكان في ذلك متعددا، و أثنينية كما قيــل:

أرب و عبــد و نفســي ضـد     ****        قلــت لــه ليــس ذاك عـنـــدي

فقــال: ما عندكــم، فقلنــا:      ****       وجــود فقـــد و فقــد وجــــد

تــوحيـد حــق بتـرك حــق    ****       و ليــس حــق ســواي  وحــــد

 

   و معنى كلام الشاعر، الإنكار على من أثبت الفرق بأن جعل للعبودية محلا مستقلا منفصلا عن أسرار معاني الربوبية قائما بنفسه، و لا شك أن العبودية تضاد أوصاف الربوبية على هذا الفرق، و أنت تقول في توحيد الحق: لا ضد لـه، فقد نقضت كلامك و لذلك قال: و نفي ضد، فالواو بمعنى مع و هو داخل في الإنكار، أيوجد رب و عبد مستقل مع نفي الضد للربوبية و العبودية، تضاد أوصاف الربوبية، و الحق أن الحق تعالى تجلى بمظاهر الجمع في قوالب الفرق، ظهر بعظمة الربوبية في إظهار قوالب العبودية، فلا شيء معه، و قوله في الجواب: وجود فقد، أي عندنا وجود فقد السوي و فقد وجود النفس، و قوله: توحيد حق بترك حق، أي توحيد حق الحق بترك حق الغير و لا غير، و لذلك قال: و ليس حق موجود سوى وجودي وحدي، تكلم على لسان الفاء، و الله تعالى أعلم..

   و قال آخر:

سر سري من جنـاب القـدس أفنانـي    *****     لكن بـذاك الفنا عني قـد أحيانــي

و ردني للبقـا حتـى أعبــر عــن    *****     جمال حضرته لكــل هيـمـــان

و صرت في ملكوت من عجـائبــه    *****     لم أألف غيـر وجود ما لـه  ثـانـي

 

   و أنشد المؤلف لنفسه في لطائف المنن يوصي رجلا من إخوانه:

حسـن بـأن تدع الوجـود بأســره     ****    حسـن فـلا يشغلك عنـه  شاغــل

و لئـن فهمــت لتعـلمـن بأنــه     ****    لا تــرك إلا للـذي هـو حاصــل

و متى شهـدت سواه فاعلــم أنــه    ****    من وهمك إلا دنــى و قلبـك  ذاهـل

حسـب الإله شهـوده لـوجـــوده    ****      و الله يعلـم مـا يقــول الـقائــل

و لقد أشرت إلى الصريح من الهـــدى    ****      دلت عليـه إن فهـمــت دلائــل

و حديث كـان و لا شيء دونــــه    ****     يقضي بـه الآن اللبيب العــاقـــل

 

         و هذا آخر الباب الرابع عشر، و حاصلها تحويش العباد إلى الله و تحبيبه إليهم بذكر ما اشتمل عليه الحق سبحانه من الكرم و الإحسان و غاية اللطف و المبرة و الامتنان، و ذلك أنه سبحانه و تعالى منّ علينا أولا بالطاعة و العمل، و تفضل علينا ثانيا بالقبول مع ما اشتمل عليه عملنا من النقص و الخلل، ثم إذا وقعت منا معصية أو زلل غطانا بستره و بمغفرته لنا تفضلا، و إذا توجهنا إليه بقلوبنا سترنا منها و عصمنا ليعظم قدرنا و يظهر شكرنا، فنتخذه صاحبا و ندع غيره جانبا..

   فحينئذ تشرق في قلوبنا أنوار اليقين و نرحل إلى الآخرة في أقرب حين، ثم تشرق علينا أنوار الإحسان، فتنطوي لنا رؤية الأكوان بشهود نور الملك الديان، فحينئذ ينشر محاسننا للعباد، فيقبلون علينا بالثناء و المحبة و الوداد..

 

ثق بما تعلمه من نفسك لا بما يظنه الناس

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 47 arabe

قلـت: الصغيرة هي الجريمة التي لا وعيد فيها من القرآن، و لا من الحديث، و الكبيرة هي التي توعد عليها بالعذاب أو الحد في القرآن أو السنة، و قيل غير ذلك، هذا كله بالنظر لظاهر الأمر، و أما باعتبار ما عند الله من أمر غيبه، و بالنظر إلى حلمه و عدله،...

Sagesse 126

   قلـت: إذا أردت أيها الإنسان أن يتقوى رجاؤك في الكريم المنان، فاشهد ما منه إليك من الإحسان و اللطف و المبرة و الامتنان، فهل عودك إلا إحسانا، و هل أسدى إليك إلا مننا، عليك بسط مننه و لك هيأ جنته، أنعم عليك في هذه الدار بغاية الإنعام، و...

Sagesse 88 arabe

ليخفف ألم البلاء عليـك، علمـك بأنه سبحانه هو المبتلي لك فالـذي واجهتـك منـه الأقــدار هـو الـذي عـودك حسـن الاختيــار قلـت: إذا أصابتك أيها الإنسان مصيبة، أو نزلت بك بلية في بدن أو أهل أو مال، فاذكر من أنزل ذلك عليك، و ما هو متصف به من الرحمة...


تعليق (0)

تعليق جديد