137# استشرافك أن يعلم الناس بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ،

   قلـت: إذا خلصك الحق تعالى أيها الفقير بخصوصية من خصوصيات خواصه، كزهد أو توكل أو ورع أو رضا، أو تسليم أو محبة أو يقين في القلب، أو معرفة، أو أظهر على يديك كرامة حسية أو معنوية، أو استخرجت فكرتك حكما، أو مواهب كسبية أو لدنية، ثم استشرفت أي تطلعت و تمنيت أن يعلم بخصوصيتك، بأن يطلعوا على تلك الخصوصية التي خصك الله بها، فذلك دليل على وجود الرياء الخفي في باطنك، و دليل على عدم صدقك في عبوديتك، بل أنت كاذب فيها، إذ لو كنت صادق في عبوديتك لاكتفيت بعلم الله، و قنعت بمراقبته إياك، و استغنيت به عن رؤية غيره..

   فالواجب على الفقير إذا خصه الله بخصوصية كتمها و جحدها و سترها إلا عن شيخه، فإن أظهرها فهو على خطر، فقد يكون تحدثا و قد يكون تبجحا و في الكتمان السلامة، و قد تقدم قول الشيخ: من رأيته مجيبا عن كل ما سئل و معبرا عن كل ما شهد و ذاكرا كل ما علم، فاستدل بذلك على ثبوت جهله، و في مثل هذا قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه:

احفــر لســـرك و دكـــو            فــي الأرض سبعيــــن قامـــة

و خلــي الخـلايـق يشكـــو             إلــى يـــوم القيـــامــــة

   و كان بعض إخواننا إذا سئل ما أردكتم و ما ذقتم في هذا الطريق يقول: البرد و الجوع، فكـان شيخ شيوخنا يعجبه ذلك و يستحسنه لدلالته على صدق الإخلاص، و ما زالت أشياخنا و أشياخهم يستعملون الخراب في ظواهرهم صونا لما في بواطنهم، و لأجل هذا فضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين درجة ضعفا كما في الحديث..

   و قال سيدنا عيسى عليه السلام: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته و يمسح شفتيه، فإذا خرج إلى الناس رأوا أنه لم يصم، و إذا أعطى أحدا فليعط بيمينه و يخفيها عن شماله، و إذا صلى أحدكم فليسدل عليه بابه، فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق..

   و قال الشيخ أبو عبد الله القرشي رضي الله عنه: كل من لم يقنع في أفعاله و أقواله بسمع الله و نظره، دخل عليه الرياء لا محالة..

   و قال بعضهم: ما أخلص عبد قط إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف؛ و لهذا كان إسقاط المنزلة شرطا في هذا الطريق، فإن تحقق العبد بالمعرفة و مشاهدة الوحدانية جاز له الإخبار بالوحدانية بأعماله، و الإظهار لمحاسن أحواله، بناء منه على نفي الغير و أداء الواجب من الشكر..

   كان بعض السلف يصبح فيقول: صليت كذا و كذا ركعة، و تلوت كذا وكذا سورة فيقال له أما تخشى من الرياء، فيقول ويحكم، و هل رأيتم من يرائي بعقل غيره..

   و الحاصل، أن من فني عن نفسه، و تحقق بشهود ربه فلا كلام عليه و قد قالوا: من أحب الخفاء فهو عبد الخفاء و من أحب الظهور فهو عبد الظهور، و من لم يرد غير ما أراد الله به فهو عبد الله حقا..

   ثم علمك الشيخ الدواء في ترك الاستشراف إلى الخلق و هو الاكتفاء بنظر الحق، فقــال:

 

كيف التخلص من الرياء

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 187

   قلت: قد ذكر أهل الفن في هذا المقام اصطلاحات و ألفاظ تداولونها بينهم تقريبا لفهم المعاني، فمنها السير و الرحيل، و ذكر المنازل و المناهل و المقامات، و منها الرجوع و الوقوف، و كل ذلك عن مجاهدة النفوس و محاربتها، و قطع العوائق و...

Sagesse 12 arabe

كيف يشرق قلـب صور الأكـوان منطبعة في مـرآته، يشرق بضم الياء بمعنى يستنير و يضيء، و صور الأكوان أشخاصها و تماثيلها الحسية و المعنوية، و الأكوان أنواع المخلوقات دقت أو حلت، و منطبعة أي ثابتة، و انطبع الشيء في الشيء أي ظهر أثره فيه، و المرآة معروفة...

Sagesse 189

   قلت: الحقائق هي ما يرد على قلب العارف من تجليات العلوم و الحكم و المعارف، فتارة تكون علوما و تارة تكون حكما و معارفا، و تارة تكون كشفا بغيب كان أو سيكون، و حكمة ذلك، الروح إذا تخلصت و تصفت من غبش الحس، كان غالب ما يتجلى فيها حقا، ثم...


تعليق (0)

تعليق جديد