152# ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة،

    قلت: الكرامة الحسية هي خرق الحس العادية، كالمشي على الماء و الطيران في الهواء و طي الأرض و نبع الماء و جلب الطعام و الاطلاع على المغيبات، و غير ذلك من خوارق العادات، و الكرامة المعنوية هي استقامة العبد مع ربه في الظاهر و الباطن، و كشف الحجاب عن قلبه حتى عرف مولاه، و الظفر بنفسه و مخالفة هواه و قوة يقينه، و سكونه و طمأنينته بالله، و المعتبر عند المحققين هي هذه الكرامة، و أما الكرامة الحسية فلا يطلبونها و لا يلتفتون إليها، إذ قد تظهر على يد من لم تكمل استقامته، بل قد تظهر على يد من لا استقامة له أصلا، كالسحرة و الكهان، و قد تظهر على أيدي الرهبان، و ليست بكرامة إنما هي استدراج.

   قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان، كرامة الإيمان بمزيد الإيقان و شهود العيان، و كرامة العمل على الإقتداء و المتابعة و مجانبة الدعاوى و المخادعة، فمن أعطيهما و جعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مغتر، كذاب، أو ذو خطأ في العلم و العمل بالصواب، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب، و خلع المرضي قال: و كل كرامة لا يصحبها الرضا عن الله أو من الله، فصاحبها مستدرج مغرور أو ناقص، أو هالك مثبور/.

   و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: ليس الشأن من تطوى له الأرض، فإذا هو بمكة أو بغيرها من البلدان، إنما الشأن من تطوى عنه صفات نفسه، فإذا هو عند ربه.

     قلـت: و الكرامة الحقيقية هي الاستقامة على الدين و حصول كمال اليقين، و أما خوارق العادات الحسية فإن صَحبتها الاستقامة ظاهرا و باطنا، وجب تعظيم صاحبها لأنها شاهدة له بالكمال مما هو فيه، و إن لم تصحبها استقامة فلا عبرة بها، و الغالب أن أهل الباطن كرامتهم باطنية، ككشف الحجب، و مزيد الإيمان، و معرفة الشهود و العيان، و كذلك عقوبة من آذاهم جلها باطنية لا يتفطنون لها، كقساوة القلب و الانهماك في الذنوب و الغفلة عن الله، و البعد عن حضرته و لكن لا يشعرون، و هي أعظم من العقوبة في الحس.

   و الحاصل أن أهل الاستقامة الظاهرية كرامتهم ظاهرية حسية، و أهل الاستقامة الباطنية كرامتهم باطنية معنوية، أهل الظاهر من آذاهم عوقب في الظاهر، و أهل الباطن من آذاهم عوقب في الباطن، و قد لا يعاقب، لأنهم رحمة، كل من قرب منهم شملته الرحمة، كان قربه تسليما أو إنكارا، هم القوم، لا يشقى بهم جليسهم، على قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال:" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"

   و كل ولي أراد الله تعالى أن ينفع الناس على يده لا يعجل بعقوبة من آذاه اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم، حيث خيره ملك الجبال فحلم صلى الله عليه و سلم و عفا و قال: "فعسى الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله" و الله أعلم.

   علامة الاستقامة

   و أعظم الكرامات الفهم عن الله و الرضا بقضاء الله و ترك التدبير و الاختيار مع الله، و إقامة العبد حيث أقامه الله كما أبان ذلك بقوله:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 173

   قلت: هذا الذي ذكره الشيخ مجرب صحيح، و ذلك أن العبد قد تترادف عليه النعم و العوافي، فلا يعرف قدرها و لا تعظم عنده كل التعظيم، فإذا سلبها و ضرب بالبلاء و الأوجاع و المصائب، فحينئذ يعرف قدر العافية، و كذلك الفقير يكون مصحوبا بالحضور...

Sagesse 115

     قلـت: الحق تعالى ظاهر، و نوره للبصائر باهر، و إنما حجبه مقتضى اسمه الكريم و اسمه القاهر، فما حجبك عن شهود الحق وجود شيء معه، أإله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون، و لكن حجبك عن شهوده توهم موجود معه، و لا شيء معه، و كما كان...

Sagesse 83 arabe

من عبده لشيء يرجــوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه، فما قام بحق أوصافه    قلـت: الناس في عبادة الله على ثلاثة أقسام:    فمنهم من يعبد الله خوفا من عقوبة معجلة أو مؤجلة، أو طمعا في رحمته و حفظه عاجلا أو آجلا، و هم...


تعليق (0)

تعليق جديد