160# العبارة قوت لعائلة المستمعين و ليس لك إلا ما أنت له آكل.

   قلت: العائل هو الفقير، و العائلة جمع له، فعبارة العارفين قوت لقلوب الفقراء الطالبين، لزيادة إيقان قلوبهم، و مشاهدة محبوبهم، فلا يزالون في حضانة الشيوخ و عيالهم حتى يكمل إيقانهم و ترشد أحوالهم، فحينئذ يستقلون بأنفسهم، و علامة رشدهم أنهم يأخذون النصيب من كل شيء، و لا ينقص من حالهم شيء، يفهمون عن الله في كل شيء، و يعرفون في كل شيء، و يشربون من كل شيء، فإذا كانوا كذلك فقد استقلوا بأنفسهم ة تأهلوا لإرشاد غيرهم.

     قال بعض الحكماء: من لم يفهم صرير الباب و لا طنين الذباب و لا نبيح الكلاب فليس من أولي الألباب، و أما لم يبلغ هذا المقام، فلا بد أن يلزم العش في حضانة من يرزقه و يطعمه، فإذا طار من العش قبل تربيته الجناح اصطادته الكلاب و البيزان و لعبت به النساء و الصبيان، فإذا كان في عش الشيخ و كان يطعمه مع غيره، فليس له من القوت إلا ما يقدر أن يأكله و إلا قتله، فليس طعام الصبي الصغير كطعام الرجل الكبير، و كذلك عبارة الشيوخ للمريدين، كل واحد يأخذ ما يليق بحاله، فالشيوخ يذكّرون في الجملة، فيذكرون أحوال البدايات و النهايات و الوسط، و كل واحد يأخذ ما يليق به، قد علم كل أناس مشربهم، فلا يتعلق المبتدئ بمذاكرة المنتهي فيفسد كما إذا أكل الطفل الصغير طعام الكبير فإنه يقف في حلقه، و أما إذا أكل الكبير طعام الصغير فإنه لا يشبع به، و هذا معنى كلام الشيخ: و ليس لك منها إلا ما أنت له آكل، أي ليس لك من قوت العبارة إلا ما أنت قادر على أكله، و إلا غصصت به، و الله تعالى علم.

   و قد سألني بعض الإخوان عن قوت الروحانية و البشرية فقلت: قوت البشرية معلوم، و قوت الروحانية على وزان قوت البشرية، فالصبي لا يطيق الطعام الخشن حتى يكبر، كذلك الروح تربى شيئا فشيئا، فتطعم أولا ذكر اللسان فقط، ثم ذكر القلب مع اللسان، ثم ذكر القلب فقط، ثم ذكر الروح و هو الفكرة، ثم ذكر السر و هو النظرة، ثم تأكل كل شيء، و تشرب من كل شيء حتى تسرط الكون بأسره، فلو أعطيتها الفكرة أو النظرة الذي هو طعام الرجال أول مرة و هي في مقام الأطفال للفظته و طرحته، فإذا بلغت الروح أن تأكل من كل شيء و تشرب من كل شيء، فقد صح لها أن تطير في الملكوت الأعلى و تذهب حيث تشاء.

   و قد يختلف الشرب لجماعة من آنية واحدة لاختلاف مقامهم، كقضية الرجال الذين سمعوا قائلا يقول: يا سعتر بري، و ذلك أن رجلا في الصفا بمكة صاح يا سعتر بري لرجل آخر كان اسمه كذلك، فسمعه الثلاثة، فكل واحد تعلق بذهنه ما يليق بحاله، فسمع أحدهم: الساعة ترى بري، و سمع الثاني: اسع تر بري، و سمع الثالث: ما أوسع بري، فالأول كان مستشرفا و الثاني مبتدئا و الثالث كان واصلا،

   و كذلك قضية ابن الجوزي، كان يقرأ ببغداد اثني عشر علما، فخرج يوما لبعض شؤونه فسمع قائلا يقول:

إذ العشـرون مـن شعبان ولـت     *****     فواصـل شـرب ليلــك بالنهـــار

و لا تشرب بأقــداح صغــار     *****     فقـد ضــاق الزمان علـى الصغــار

   فخرج هائما على وجهه إلى مكة، فلم يزل يعبد الله بها حتى مات رحمه الله، ففهم من الشاعر انصراف العمر و ضيق زمان الدنيا كله، قال في لطائف المنن:

   و اعلم أن هذه المفهومات الخارجة عن الفهم الظاهر، ليست بإحالة اللفظ عن مفهومه، بل هو فهم زائد على الفهم العام، يهبه الله لأرباب هذه الطائفة من أرباب القلوب، و هو من باطن الحكم المندرج في ظاهره اندراج النبات في الحبة، و ذلك أن المدد النوراني، و الفتح الرباني يتصل بعضه ببعض إلى الطرف الظاهر، فحيث انتهت القوة انتهى الإدراك، فربما فهموا ما يوافق ظاهر المعنى الباطنية و ربما خالفه من جهة ما، و ربما كان الفهم بعكس ظاهره،

   و قد كان الشيخ مكين الدين بن الأسمر رضي الله عنه ممن يشهد الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه بالولاية الكبرى و المكاشفة العظمى، فأنشد إنسان في مجلسه:

لو كان لي مسعد بالراح يسعدنـي    *****     لما انتظرت لشرب الـراح إفطــارا

الراح شيء شريف أنت شاربــه    *****     فاشرب و لو حملتك الــراح أوزارا

يا من يلوم على صهباء صافيــة     *****     خذ الجنان و دعني أسكـن النــار

   فقال بعض فقهاء الظاهر لا يجوز قراءة هذه الأبيات، فقال الشيخ مكين الدين: قل دعه، فإنه رجل محجوب، يعني أنه لا يعرف إلا الشراب الحسي دون المعنوي و هو جمود و الله تعالى أعلم.

 

   التعبير عن المقام :

      ثم إن العبارة لا تدل على حال المعبر، فقد يكون فوق ما يقول، و قد يكون دون ما يقول كما أشار إلى بيان ذلك بقوله:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 218

دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، و بوجود أسمائه على ثبوت أوصافه، و بوجود أوصافه على وجود ذاته، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه    قلت:هذه طريقة الترقي، فوجود الأثر يدل على وجود القادر و المريد و العليم و الحق  مثلا، فالقادر يدل على...

Sagesse 147

   قلـت: الأعياد جمع عيد، و هو ما يعود على الناس بالأفراح و المسرة، فالعوام فرحهم و مسرتهم بالحظوظ و العوائد الجسمانية، و الخواص فرحهم بإقبال الملك عليهم، و وجود قلوبهم و صفاء وقتهم من كدرات الأغيار، و الغالب أن هذه المعاني إنما توجد...

Sagesse 77 arabe

ربمــا أعطاك فمنعـك، و ربمـا منعـك فأعطــاك قلــت: الغالب على النفس الأمارة و اللوامة أن تنبسط بالعطاء و تنقبض بالمنع، لأن في العطاء متعتها و شهوتها، فلا جرم أنها تنبسط بذلك، و في المنع قطع موادها و ترك حظوظها، و لا شك أنها تنقبض بذلك، و ذلك...


تعليق (0)

تعليق جديد