167# قيد الطاعات بأعيان الأوقات كي لا يمنعك عنها وجود التسويف، و وسع عليك الأوقات كي لا تبقى لك حصة الاختيار.

   قلت: من شأن النفس تسويف العمل و تطويل الأمل، فلو تركت مع اختيارها ما توجهت قط إلى ربها، و لما علم الحق سبحانه أن من عباده من لا تنهضه المحبة و لا يسوقه إليه مجرد الرغبة، و إنما تسوقه إليه سلاسل الامتحان بتخويف النيران، أو شبكة الطمع بنعيم الجنان، أوعد من حاد عن طاعته بالعذاب الأليم، و وعد من أطاعه و تقرب إليه بالنعيم المقيم، ثم فرض عليه ما تظهر فيه طاعته من الأحكام و الفرائض، و عين لها أوقاتا مخصوصة، إذ لو ترك ذلك لاختيار عباده ما أقبل عليه بها إلا القليل من أهل محبته و وداده، و من رحمته تعالى أن وسع عليهم في تلك الأوقات، فيبقي لهم في ذلك ضرب من الاختيار، فوسع الظهر مثلا إلى العصر، و العصر إلى الاصفرار، و المغرب إلى العشاء، و العشاء إلى نصف الليل، و الصبح إلى قرب الطلوع.

   فقد قيد لك أيها العبد الطاعات التي أوجبها عليك بأعيان الأوقات لئلا يمنعك التسويف من فعلها، فيؤدي ذلك بك إلى تركها و وسع عليك الوقت ليبقى لك حصة الاختيار، أي ضربا و نصيبا من الاختيار، إذ لو ضيق عليك الوقت لكان ذلك في غاية الحرج و الاضطرار، فالحمد لله على منته و سعة رحمته.

   و قد قيل: إن الله سبحانه و تعالى يقول لعبده: ألم أخرجك من العدم إلى الوجود، و أمده بإمداد الفضل و الجود، جعلت لك نورا في بصرك لتدرك به أدلة قدرتي و عظيم آياتي، و جعلت لك نورا في بصيرتك لتفهم به خطابي، و تتقي بالطاعة عذابي و ترجو ثوابي، فوعدتك الثواب على الطاعة، و وعدتك العقاب على المخالفة، ثم كلفتك من العمل ما تطيق، و وسعت عليك في الأوقات كل ضيق، فلو انك قضيت ما أوجبت عليك في أول عمرك أو في آخره لقبلته منك، فمن الذي منعك من الامتثال، و لم يكن بك عذر غير الغواية و الضلال/.

   و قد قيل في المثل: من طلب جاب و من هاب خاب، و انظر، فقد قَرَنَ الله الهداية بالمجاهدة، و أوجب سبحانه على نفسه ما لم يجب عليه، فقال تعالى و هو أصدق القائلين:( و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع المحسنين) العنكبوت69، و أنشدوا في هذا المعنــى:

لو صـح منك الهـوى أرشدت للجبـل         و الصدق سيـف ينيـل غايـة الأمـل

فكـن أخـا همـة تسمـو بصاحبهـا          و لا تكـن بالتوانـي محبــط العمـل

   و كان الربيع بن خيثم يردد هذه الآية و يبكي قوله تعالى:( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات) الجاثية21، و كان يصيح ليت شعري من أي الفريقين أنت يا نفسي، و هذه الآية تسمى مبكية العابدين، و قال سهل رضي الله عنه في معنى هذه الآية: ليس أهل الموافقة كأهل المخالفة، أهل الموافقة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و أهل المخالفة في عذاب السعير/. 

   و لما ذكر حكمة توفيق الطاعة ذكر حكمة إيجابها على العباد فقــال:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 55 arabe

قلــت: البسوق هو الطول، قال تعالى: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ) ق/10،أي طويلات، و البذر هي البذور( الزريعة)، و الطمع تعلق القلب بما في أيدي الخلق، و تشوف القلب إلى غير الرب، و هو أصل شجرة الذل، فما بسقت أغصان شجرة الذل إلا من بذور الطمع، و لذلك...

Sagesse 224

ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود أو فكر    قلت: إذا كان الظاهر مشتغلا بذكر الله، فهو علامة وجود محبة الله في الباطن، إذ من أحب شيئا أكثر من ذكره، و لا تكون محبة إلا عن ذوق و معرفة، فلا يكون ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود، أي شهود كان، و إن...

Sagesse 26 arabe

استودع أي وضع، و الاستيداع هو وضع الشيء في محل ليحفظ، و غيب السرائر هو باطنها، و المراد بالسرائر هو القلوب و الأرواح، و شهادة الظواهر هي ظاهر الجوارح. قلــت: ما استدوع الله سبحانه في القلوب، و جعل فيها من خير أو شر، من نور أو ظلمة، من علم أو...


تعليق (0)

تعليق جديد