176# لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق.

    قلت: الشهوة إذا تمكنت من القلب صعب علاجها، فلا يمكن خروجها في العادة إلا بوارد قهري جلالي أو جمالي، فالوارد الجلالي هو خوف مزعج، فيزعجك عن شهوتك و يخرجك من وطنك و أهلك، و الوارد الجمالي هو شوق مقلق، فيقلقك عن مراداتك و حظوظك، فينسيك نفسك و يؤنسك بربك، و لأجل صعوبة هذا المرض كان أشد حجابا عن الله العلماء، ثم العباد ثم الزهاد، لأن هذه الشهوة خفية، و صاحبها أضله الله على علم: ( فهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) أي أضلهم على طريق الخصوص و بقوا في طريق العموم، أما العلماء الظاهريون فهم يعتقدون أن لا فضيلة فوق علمهم، حتى إني سمعت من بعضهم يقول: إن مقام الإحسان هو مقامهم، الذي فيه العمل بظاهر الكتاب و السنة و لا مقام فوق ذلك، فكيف يمكن إخراج هذا إلا بعناية سابقة.

   و أما العباد و الزهاد فهم يقولون أيضا: هذه غاية المحبة و الطاعة و يزيدهم بعدا ما يرونه من الكرامات الحسية، فيزدادون حجابا و تمكنا في حالهم.

   و أما العوام و أهل الغفلة فهم أقرب الناس إلى الانقياد و النفوذ إلى ربهم، و في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( أكثر أهل الجنة البلــه) أي المغفلون، و مما يدلك على الشهوة القلبية أصعب من الشهوة النفسية قصة آدم و الشيطان، فإن آدم عليه السلام كانت شهوته في بطنه فتداركه الله بعنايته، و الشيطان كانت شهوته في قلبه، قال أنا خير منه، فطرد إلى يوم القيامة.

   ثم اعلم أن الخوف على قسمين، خوف العوام و خوف الخواص.

   فخوف العوام من العقاب و العذاب، و خوف الخواص من القطيعة و الحجاب.

   و الشوق أيضا على قسمين: شوق العوام للحور و القصور، و شوق الخواص للشهود و الحضور، فشوق العوام لنعيم الأشباح، و شوق الخواص لنعيم الأرواح، و شوق العوام ناشئ عن قوله تعالى: ( أعد الله للمؤمنين و المؤمنات جنات تجري من تحتها النهار خالدين فيها و مساكن طيبة في جنات عدن)التوبة72، و شوق الخواص ناشئ عن قوله تعالى:( و رضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم) التوبة72، جعلنا الله من أعظمهم قدرا و أكملهم محلا و فضلا آمين بمنه و كرمه.

   فإذا دخل الخوف أو الشوق إلى القلب أخرج كل ما فيه من الأغيار و ملئ بالمعارف و الأنوار، فحينئذ تخلص الأعمال و تزكوا الأحوال و يقبل عليه ذووا العظمة و الجلال، كما أبان ذلك بقوله:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 165

   قلت: هذا ميزان صحيح، و في حق السائرين المشتغلين بالجهاد الأكبر قال تعالى:( و جاهدوا في الله حق جهاده) و قال تعالى:( و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، فكل ما يثقل على نفس المريد و تنفر منه فهو حق، و الواجب على المريد اتباعه، و كل...

Sagesse 12 arabe

كيف يشرق قلـب صور الأكـوان منطبعة في مـرآته، يشرق بضم الياء بمعنى يستنير و يضيء، و صور الأكوان أشخاصها و تماثيلها الحسية و المعنوية، و الأكوان أنواع المخلوقات دقت أو حلت، و منطبعة أي ثابتة، و انطبع الشيء في الشيء أي ظهر أثره فيه، و المرآة معروفة...

Sagesse 125

   قلـت: السائر الصدّيق، أو الواصل إلى التحقيق، كالراكب المسير جادا في المسير، كاد من السرعة أن يطير، فإذا وقعت منه كبوة أو سقطة، أو صدرت منه هفوة أو عثرة، استوى على جواده، و استمر على إغارته في طلب مراده، فإذا سقط و جعل يتمرغ في سقطته...


تعليق (0)

تعليق جديد