187# وصولك إلى الله، وصولك إلى العلم به، و إلا فجل ربنا أن يتصل به بشيء أو يتصل هو بشيء.

   قلت: قد ذكر أهل الفن في هذا المقام اصطلاحات و ألفاظ تداولونها بينهم تقريبا لفهم المعاني، فمنها السير و الرحيل، و ذكر المنازل و المناهل و المقامات، و منها الرجوع و الوقوف، و كل ذلك عن مجاهدة النفوس و محاربتها، و قطع العوائق و العلائق عنها، أو الوقوف مع شيء منها، و سيأتي للمؤلف لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين.

   و منها الوصول و التمكين و السكون و الطمأنينة، و مناه المشاهدة و المكالمة و المجالسة و المساررة، و غير ذلك، و كل ذلك كناية عما أدركته أرواحهم، و ذاقته أسرارهم من عظمة الحق و جلاله، و سيأتي تفسير شيء من ذلك في محله إن شاء الله، و معنى الوصول عندهم تحقيق العلم بوجوده وحده.

   فوصولك إليه هو شعورك بعدمك، حتى يكون عدمك عندك ضروريا، و علمك بوجوده كذلك، و هذا الأمر كان حاصلا لك في نفس الأمر، لكن لم تشعر به، و في هذا المعنى قال بعضهم، و بعضه للششتري:

بيــن طــلوع و نـزول           تخبلـــت   الــغـــــزول

أفـن   مـن لم  يكــــن           يبـق   مــــن لـم يــــزل

جــول  كـي  تـــزول           أو  امــش   نـزع   الفحـــول

   فالزوال هو المعرفـة، و هو معنـى الوصول، و سببها جولان الفكرة، و لذلك أمره بها.

   و قال شيخ شيوخنا سيدي علي: الناس كلهم يشاهدون و لا يعرفون، و سمعت شيخنا يقول: الناس كلهم في البحر، أي في بحر الوحدة، و لكن لا يشعرون، فوصول العبد إلى الله هو تحقيق العلم بوجوده و الغيبة عن نفسه و عن كل ما سواه، و إلا تكون كذلك بأن تعتقد أن الوصول يكون حسيا، فجل ربنا، أي تعالى و ترفع، أن يتصل به شيء للزوم تحيزه، أو يتصل هو بشيء للزوم افتقاره و حصره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

   و اعلم أن هذا العلم بالله يكون كسبيا، ثم لا يزال يغيب عن نفسه و حسه سكرة بعد سكرة، و حيرة بعد حيرة، حتى يصحو و ينجلي عنه ضباب الحس، و سحاب الجهل، و ظلمة النفس، فتشق عليه شمس النهار و تنجلي عنه ظلمة الأغيار و في ذلك قيل:

ليلـي بوجهــك مشــرق          و ظـلامـه في النـاس ســار

النـاس فـي سـدف الظـلام         و نحـن فـي ضـوء النهـــار

   أي ليل وجودي صار مشرقا مضيئا بسبب شهود ذاتك، و ظلال ليل القطيعة سار في جل الناس، الناس في ظلمة جوف الأكوان و نحن في ضوء شموس العرفان، ثم لا يزال في تربية الشيخ و تحت حضانته، و مدده سار إليه بقدر صدقه حتى يسلم له خصيم العرق الظلماني، و ينفرد النواراني و يحس ذلك من نفسه، فحينئذ يقول بلسان الحال: أقر الخصم فارتفع النزاع، فإذا انفرد الخصم النوراني استمد من كل شيء، و شرب من كل شيء، و أخذ النصيب من كل شيء، فيبقى وصوله إلى الواسطة شكرا و إحسانا، أن اشكر لي و لواديك، و ينشد حينئذ بلسان حاله و مآله:

  الحمد لله لا تفنـى محـامــده         و الحمد لله فـي الآصال و البكــر

من يهـده الله أضحى عالما فطنـا         بالله في كل ما يبدو من الصـــور

 يا طالب الوصل جد بالنفس ملتفتـا        عنها إلى منـزل الأشياء بـالقـدر

 فعن ظفـرت فأنت الفرد و العلم الــــمنعوت بالحس و الحسنى لذي نظر

 

قربـك منه أن تكون مشاهدا لقربـه

   و منها، أي من اصطلاحاتهم، ذكر القرب و الاستشراف، و المراقبة، و فسر الشيخ معنى القرب فقال:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 73 arabe

قلــت: المطلب مصدر بمعنى المفعول، أو اسم مكان أي مطلوب العارفين و مقصودهم أي محل قصدهم و محل نظرهم، إنما هو تحقق الصدق في العبودية بحيث لا تبقى فيهم بقية، إذ الكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فما دام العبد مسجونا بمحيطاته محصورا في هيكل ذاته لا تنفك...

Sagesse 11 arabe

النفع إيصال الفائدة، و القلب القوة المستمدة لقبول العلم، و العزلة انفراد القلب بالله، و قد يراد بها الخلوة التي هي انفراد القلب عن الناس، و هو المراد هنا، إذ لا ينفرد القلب في الغالب إلا إذا انفرد القالب، و ميدان، مجال الخيل، استعير هنا للأفكار،...

Sagesse 190

   الوارد الإلهي هو قوة شوق أو اشتياق أو محبة يخلقها الله في قلب العبد، و قد تنشأ عن قوة خوف أو هيبة أو جلال، فتزعجه تلك القوة إلى النهوض إلى مولاه، فيخرج عن عوائده و شهواته و هواه، و يرحل إلى معرفة ربه و رضاه، و قد تترادف عليه أنوار...


تعليق (0)

تعليق جديد