191# الوارد يأتي من حضرة قهار، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

   قلت: إنما كان الوارد الذي يرد على قلوب السائرين أو الطالبين قويا شديدا، لأنه يأتي من حضرة اسمه تعالى "القهار" ليدمغ بقهريته كل ما وجد في النفس أو القلب من الأغيار، و إنما قلنا من حضرة اسمه القهار، لأن الحق تعالى له حضرات بعدد أسمائه، فاسمه تعالى القهار يتجلى من حضرة قهريته، و اسمه الجميل يتجلى من حضره جماله، و اسمه الجليل يتجلى من حضرة جلاله، و اسمه رحيم يتجلى من حضرة رحمته، و اسمه الحليم يتجلى من حضرة حلمه، و اسمه الكريم يتجلى من حضرة كرمه، و هكذا..

   فكل اسم يخرج تجليه على وفق حضرته قال تعالى:( و إن من شيء إلا عندنا خزائنه) و لو كان هذا الوارد الذي يرد على قلوب أهل البداية من حضرة الرحيم أو الحليم أو الجميل ما أمكن أن يدفع بحكمة الله ما صادمه من الباطل، و شبه الشيخ الباطل و هو كل ما سوى الله، بحيوان له دماغ، فإذا ضرب دماغه و تشتت مات، كذلك الباطل إذا صادمه الحق أهلكه، و تشتت دماغه.

   فالوارد الإلهي حق محض، فإذا صادم الباطل دمغه و قتله، و لذلك أتى بالآية التي نزلت في شأن القرآن مع الكفر، فإن الكفر تشتت و اضمحل حين نزل القرآن، كذلك السوي إذا تجلى الحق بقهرية نوره تشتت و اضمحل، و كان أبو العباس رضي الله عنه كثيرا ما ينشد هذه الأبيات في هذا المعنى:

فلو عاينت عينـاك يـوم تزلـزت             أرض النفـوس و دكت الأجبـال

لرأيت شمـس الحق يسطع نورهـا            عند التزلزل و الرجـال رجــال

   قال: و الأرض أرض النفوس، و الجبال جبال العقل، يعني أن الوارد الإلهي إذا ورد قويا من حضرة قهاريته تعالى دك وجود النفس، و تدكدكت منه جبال النفوس، فيكشف له حينئذ عن أسرار خارجة من مدارك العقول، غير مدركة بعبارة المنقول، فيصير صاحب هذا الوارد كله حقا لا يصادم شيئا إلا دمغه، و هذا المعنى قصد شيخ شيوخنا القطب ابن مشيش بقوله: و اقذف بي على الباطل فأدمغه، طلب يكون حقا محضا يقذف به على السوي فيدمغه، فإذا ذهب السوي و اضمحل بقي الحق الذي لايفنى ظاهرا لا يخفى كما أبان ذلك الشيخ، فلله دره ما أدق نظره في مناسبة الكلام و حسن التخليص لكل مقام حيث قــــال:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 198

   قلت: إنما كان سبب الهموم هو فقد الشهود، لأن الحق تعالى قريب على الدوام، رقيب على الدوام، فمن كان قريبا من الحبيب، فكيف يحس بفراق شيء أو فواته، نظر الحبيب يغيب عن بعيد و قريب، و أيضا على ما ينزل من عند الحبيب فهو حبيب، فلا يلحقه...

Sagesse 160

   قلت: العائل هو الفقير، و العائلة جمع له، فعبارة العارفين قوت لقلوب الفقراء الطالبين، لزيادة إيقان قلوبهم، و مشاهدة محبوبهم، فلا يزالون في حضانة الشيوخ و عيالهم حتى يكمل إيقانهم و ترشد أحوالهم، فحينئذ يستقلون بأنفسهم، و علامة رشدهم...

Sagesse 48 arabe

قلت هكذا في نسخة الشيخ بلفظة القلوب، و هي أوفق بالسياق، إذ الكلام كله في موت القلوب و حياتها، يعني أنه لا عمل أرجى لحياة القلوب، من عمل يكون بالله و لله، غائبا فيه عما سواه، غير ملاحظ فيه حظوظه و هواه، متبرئا فيه من حوله و قواه، فإذا أظهرته...


تعليق (0)

تعليق جديد