193# لا تيأس من قبول عمل لم تجد فيه وجود الحضور، فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته.

   قلت: قد تقدم قوله: من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو دليل على وجود القبول، و لا يقتضي المفهوم أنه إن لم يجد ثمرته، فهو غير مقبول، بل هو مسكوت عنه، فإن توفرت فيه شروط القبول من جهة الشريعة، كأن يصحبه الإخلاص و التقوى و الإتقان الشرعي فهو مقبول عند الله إن شاء الله، سواء وجد ثمرته أو لا، قال تعالى: ( إنما يتقبل الله من المتقين)، و قالصلى الله عليه و سلم: " لا يقبل الله من مسمع و لا مراء".

   فإن كنت متقيا لله في ظاهرك و باطنك على قدر استطاعتك، و مخلصا لله في أعمالك، ثم لم تجد حلاوة العمل و لا حضور قلبك فيه و لم تجد ثمرته من أحوال الواجدين و أذواق العارفين، فلا تيأس من قبوله عند الله، فليس وجود الحال و لا الحلاوة شرطا في العمل، إنما هي علامة، و العلامة لا يلزم طردها، فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا يعطيك ثوابه آجلا، فلا ينبغي لك أن تستحقر عملك، فتتركه لعدم حضورك فيه، أو لعدم وجود حلاوته، بل يجب عليك أن تدوم عليه حتى تجني ثمرته، و من قرب الباب يوشك أن يفتح له، و اسمع قول الشاعر:

اطلـب و لا تضجـرنّ من مطلب              فآفـة الطــالـب أن يضجـرا

أمـا تـرى الحبــل بتكــراره              في الصخرة الصمـاء قـد أثـّـرا

   و اذكر قضية العابد الذي بقي في مكة أربعين سنة و هو يقول: لبيك الله ما لبيك، و الهاتف يقول له: لا لبيك و لا سعديك، و حجك مردود عليك، و هو ملازم لم يبرح موضعه، و لم يرجع عن عمله، فجاء إليه رجل يزوره، فلما قال الرجل العابد: لبيك، قال له الهاتف: لا لبيك، فقام الزائر منصرفا عنه، و قال في نفسه هذا رجل مطرود، فناداه العابد ما لك، فقال يا سيدي أنت قلت لبيك و القائل قال لك لا لبيك، فقال له يا هذا، لي أربعون سنة أسمع هذا الخطاب، و هل ثم أبواب أخرى نأتيه منها، أنا واقف ببابه و لو طردني ألف مرة ما برحت عن بابه، فقبله الحق تعالى من حينه، فلما قال لبيك اللهم لبيك، قال له الحق لبيك و سعديك، أو كما قال، فانظر من لازم الباب كيف التحق بالأحباب و فتح في وجهه الباب، و لذلك قال عليه الصلاة و السلام: "أحب العمل إلى الله أدومه و إن قلّ " و قال: " إن الله لا يمل حتى تملوا"

   فالمراد من العمل القيام برسم العبودية و تعظيم جانب الربوبية، و ليس المراد منها طلب الأحوال و المقامات، فإن ذلك قدح في الإخلاص عند أهل التوحيد الخاص، و قد يكون الحال سببا في الحجاب لمن وقف معه و استحلاه، و لذلك قال بعضهم: اتقوا حلاوة الطاعة فإنها سموم قاتلة أي لمن وقف معها، و كم ينفذ لي شهود المعبود بها، فلا تكن عبد الحال و كن عبد المحول، كما نبه على ذلك بقوله:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 62 arabe

قلـت: ما ذكره الشيخ هنا من مؤكدات هذا الباب، و الكل في الآداب، و ذلك ألا تستحقر شيئا من تجليات الحق على أي حال كانت، فلا ينبغي أن ينازع مقتدر و لا أن يضاد قهار و لا أن يعترض على حكيم، فإذا رأيت عبدا أقامه الحق تعالى بوجود الأوراد، ككثرة صلاة و...

Sagesse 117

   قلـت: مضنه أن اسمه تعالى الباطن يقتضي ظهور الأشياء حسا ليكون باطنا بحسب ظهور حسها، لأن الحس رداء أسرار المعاني، و اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء أي هلاكها و اضمحلالها ليكون ظاهرا بما ظهر منها، هذا معنى قوله: أظهر كل شيء بأنه الباطن...

Sagesse 131

   قلـت: أنوار السرائر هي العلوم اللدنية و المعارف الربانية، و يجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير أهله، و من أباحه أبيح دمه، و هو الذي قتل بسببه الحلاج، و كثافة الظواهر هي البشرية الظاهرة..    أو تقول: أنوار السرائر...


تعليق (0)

تعليق جديد