195# لا تطلب بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها و أودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، و ليس يغنيك عنه شيء.

   قلت: طلب الشيء يدل على محبته، و محبة الشيء عبودية له، و الحق تعالى لا يحب أن تكون عبدا لغيره، فلا تطلب معه حالا و لا مقاما، فإن وردت عليك الأحوال و هي الواردات الإلهية، ثم انقشعت و انصرفت، فلا تطلب بقاءها بعد أن بسطت في قلبك أنوارها، و أخرجت منه ظلمة الأغيار و صور الآثار، و أودعت أسرارها من مزيد الإيقان و شهود العيان.

   أو تقول: لا تطلب بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها من هدم عوائد نفسك عليك، فتحررت من رق الشهوات الجسمانية و العوائد النفسانية، و تخليت من الرذائل و تحليت بالفضائل، فهذه آثار أنوار الواردات.

   و بعد أن أودعت أسرارها في قلبك من اليقين و الطمأنينة و المعرفة، أو من الزهد و الرضا و التسليم، أو من الخشوع و التواضع و الذلة و الانكسار، فهذه علامة صدق الوارد و حصول نتيجته، فإذا حصلت النتيجة فلا حاجة للشيخ لشيء فلك في الله غنى عن كل شيء، و ليس يغنيك عنه شيء، و سيأتي للشيخ ماذا فقد من وجدك و ما الذي وجد من فقدك، و قال الشاعر:

لكل شيء إذا فارقتـه عــوض           و ليـس لله إن فارقـت مـن عـوض

   و في الإشارة عن الله تعالى، لا تركننّ إلى شيء دوني، فإنه وبال عليك و قاتل لك، فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك، و إن ركنت إلى العمل رددناه إليك، و إن وثقت بالحال وقفناك معه، و إن آنست بالوجد استدرجناك فيه، و إن لحظت الخلق وكلناك إليهم، و إن اغتررت بالمعرفة نكرناها عليك، فأي حيلة لك، و أي قوة معك، فارضنا لك ربا حتى نرضيك لنا عبدا.

   و سئل أبو سليمان الداراني عن أفضل ما يتقرب به إلى الله، فقال أقرب ما يتقرب به إلى الله أن يطلع على قلبك و هو لا يريد من الدنيا و الآخرة سواه و في ذلك قيل:

مــن عـرف الله فـلـم تغـنــه        معرفـــة الله فـــذاك الشــقــي

مـا يصنـع العبــد بعــز الغنــى       و العــز كـل العــز للمتقـــــي

 

علامة عدم الوجدان بالله

   فإذا حصل لك الغنى بالله استغنيت عن كل ما سواه، فلا تتطلع إلى بقاء حال، و لا وارد، و لا مقام، سوى شهود الملك العلام، فتطلعك إلى بقاء حال أو وارد دليل على عدم غناك به كما أبا ذلك بقوله:

 

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 209

لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف    فلا يخرجك عن أوصافك الذميمة إلا شهود أوصاف ربك العظيمة، فهو يخرجك من دناءك نفسك إلى شهود كرم ربك، فلا يخرجك من شهود أوصافك الحادثة إلا شهود أوصاف ربك القديمة، فيخرجك من شهود فعله بشهود فعله، و عن...

Sagesse 112

   قلـت: و إذا علمت أنه ليس لك صاحب إلا مولاك، فاعرف حقيقة صحبتك و الزم الأدب في ظاهرك و باطنك، و استحي منه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، و قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال لأصحابه: " استحيوا من الله " قالوا إنا...

Sagesse 129

   قلـت: أصل النور من حيث هو الكشف، و النور الحسي يكشف عن المحسوسات، و النور المعنوي يكشف عن المفهومات، أو تقول: نور الحس يكشف عن الأواني و النور المعنوي يكشف عن المعاني، و لا عبرة برؤية الأواني خاوية عن المعاني، ثم إن النور المعنوي...


تعليق (0)

تعليق جديد