219# لا يعلم قدر أنوار القلوب و الأسرار إلا في غيب الملكوت، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك.

   قلت: اعلم أن الناس كلهم عندهم النور في قلبهم بدليل قوله صلى الله عليه و سلم:" كل مولود يولد على الفطرة"، أي على أصل النشأة الأولية، و هي القبضة النورانية، و قال تعالى:( ﮩ  ﮪ  ﮫ   ﮬﮭ  )، قال أهل تفسير الظاهر، أي نور أهل السماوات و الأرض و هو عام في كل موجود فيهما، فقد تحقق أن النور سار في الجميع، فمن الناس من حجب عن هذا النور و عمي عنه و هو من وقف مع ظاهر الملك، و هو قشر الكون و حسه الظاهر، و يسمى عالم الأشباح، و لم ينفذ إلى باطنه و هو الملكوت و يسمى عالم الأرواح، فهذا محجوب عن نوره الباطني، لا يرى إلا النور الحسي، لأنه مسجون في سجن الأكوان، محصور في ظلمة الحس و الوهم.

   و من الناس من نفذت بصيرته إلى شهود النور الباطني فيه، و لم يقف مع القشر بل نفذ إلى شهود اللب، و هو نور الملكوت و أسرار الجبروت، و هو الذي أشار إليه في المباحث بقوله:

مهما تعديـت عـن الأجســام             أبصـرت نور الحــق ذا ابتســام

   و هذا النور أيضا هو الذي تراه قلوب العارفين دون الغافلين كما أشار إليه الحلاج بقوله:

قلوب العارفيـن لها عيــون           تـرى ما لا يـرى للناظريــن

   فإذا تحققت هذا علمت أنه لا يعلم بالبناء للمفعول، أي لا يظهر قدر أنوار القلوب الغيبية و شرفها و أنوار الأسرار القدسية و كمالها إلا في غيب الملكوت و الجبروت، فأنوار القلوب لا يعلم قدرها إلا في غيب الملكوت، و هي الأنوار المتدفقة في بحار الجبروت، فمن لم ينفذ إلى شهود الملكوت لم يعلم قدرها، بل لم يعرفها أصلا، و أنوار الأسرار لا يعلم قدرها إلا في غيب الجبروت، و هي الأنوار الأصلية الأزلية، و هو ما لم يدخل عالم التكوين.

   فمكن كان محجوبا في عالم الملك لا يعلم قدر أنوار الملكوت، لا يعلم قدر أنوار الجبروت، و من نفذ منهما شهد الجميع، و كما لا تظهر الأنوار الغيبية إلا في غيب الملكوت أو الجبروت، كذلك لا تظهر أنوار الملك، و هي الأنوار الحسية، إلا في عالم الشهادة، و هو عالم الحس، و يسمى عالم الملك.

   و الحاصل أن أنوار القلوب هي أنوار الملكوت، و أنوار الأسرار هي أنوار الجبروت، و هي غيبية لا يعلم قدرها إلا من ترقى إلى عالم الملكوت أو الجبروت، فحينئذ يعلم قدرها علما و حالا، و الله تعالى أعلم.

   تنبيـه، قد رأيت كثيرا ممن شرح هذا الكتاب غلط في تفسير الملك و الملكوت و الجبروت، فزعموا أن الملك هو عالم الدنيا و الملكوت هو علم الآخرة و الجبروت ما لا يعلمه أحد، و هذا غلط، إذ لو كان كما زعموا لما صح الترقي من ملك إلى ملكوت، و إلى جبروت، إذ يلزم على تفسيرهم أن الملك لا يرجع ملكوتا، و الملكوت لا يرجع جبروتا، و هو غير سديد، إذ قد نص كثير من المحققين أن أهل الملكوت لا يرون الملك أصلا، و أهل الجبروت يحجبون عن الملكوت، هكذا ذكره النقشبندي في شرح الهائية.

   و الصواب أن المحل واحد و هو الوجود الأصلي و الفرعي، فما لم يدخل عالم التكوين من عظمة الباري تعالى فهو عالم الجبروت، و ما دخل التكوين، فمن ألحق بأصله و جمع فيه فهو في حقه ملكوت، و من فرقه و حجب به فهو في حقه ملك، فتحصل أن المحل واحد و الأمر إنما هو اعتباري، تختلف التسمية باختلاف النظرة، و تختلف النظرة باختلاف الترقي في المعرفة، فمن وقف مع الكون كان في حقه ملكا، و من نفذ إلى شهود النور الفائض من الجبروت، إلا أنه رآه كثيفا نورانيا، و لم يضمه إلى أصله في اللطافة سمي في حقه ملكوتا، و من ضمه إلى أصله و لم يفرق بين النور الكثيف سمي جبروتا، و قد حققت ذلك في قصيدتي التائية، و تقدم بعضها، و كذلك في شرح التصلية المشيشية، و الله تعالى أعلم.

   و لا بد لمن أراد أن تكشف له هذه الأنوار و يدرك هذه المقامات من وجود أعمال و مقاسات أحوال، فإذا عمل عملا و ذاق حلاوته فليستبشر بالفتح الذي هو جزاء السائرين، و هو الذي أشار إليه بقوله في الباب الموالي:

ثمرة المجاهدة

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 137

   قلـت: إذا خلصك الحق تعالى أيها الفقير بخصوصية من خصوصيات خواصه، كزهد أو توكل أو ورع أو رضا، أو تسليم أو محبة أو يقين في القلب، أو معرفة، أو أظهر على يديك كرامة حسية أو معنوية، أو استخرجت فكرتك حكما، أو مواهب كسبية أو لدنية، ثم...

Sagesse 120

   قلـت: إذا مدحك الناس بشيء ليس هو موجود فيك، فاعلم أن ذلك هواتف من الحق تهتف بك، و يحوشونك إلى الزيادة، و يقولون لك: الخير أمامك، فلا تقنع بذلك و لا تركن إلى ما هنالك، بل ارجع إلى نفسك باللوم، و لا يغرنك ثناء القوم، فإنهم لا يعلمون...

Sagesse 20 arabe

قلـت: النّـفَس، هو قدر ما يخرج النفس و يرجع، و هو أوسع من الطرفة، و الطرفة أوسع من اللحظة، و هي رمق البصر و رده، و القدر هو العلم السابق للأشياء قبل أن تظهر، و هو أعلم أوقاتها، و أماكنها و مقاديرها، و عدد أفرادها، و ما يعرض لها من الكيفيات، و...


تعليق (0)

تعليق جديد