27# شتان بين ما يستدل به و ما يستدل عليه، و المستدل به عرف الحق لأهله فأثبت الأمر من وجود أصله، و الاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، و إلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، و متى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه.

شتان بمعنى بعد و افترق، و لا تكون إلا في افتراق المعاني دون الحسيات، قلـــت: إعلم أن الحق سبحانه لما أراد أن يتجلى بأسرار ذاته و أنوار صفاته، أظهر بقدرته قبضة من نوره الأزلي، فاقتضت القدرة ظهور آثارها و شهود أنوارها، و اقتضت الحكمة إسدال حجابها و إظهار أستارها، فلما فرغت القدرة نورها في مظاهر الكون، أسدلت عليها الحكمة رداء الصون، فصارت الأكوان كلها نورا، في حجاب مستور، ثم إن الحق سبحانه قسم الخلق على قسمين و فرقهم فرقتين، قسم اختصه بمحبته و جعلهم من أهل ولايته، ففتح لهم الباب و كشف لهم الحجاب، فأشهدهم أسرار ذاته، و لم يحجبهم عنه بآثار قدرته، و قسم أقامهم لخدمته، و جعلهم من أهل حكمته، أسدل عليهم حجاب الوهم، و غيب عنهم نور العلم و الفهم، فوقفوا مع ظواهر القشور، و لم يشهدوا بواطن النور مع شدة الظهور، فسبحان من أخفى سره بحكمته، و أظهر نوره بقدرته.

فأما أهل المحبة، و هم أهل الولاية و العرفان من أهل الشهود و العيان، فهم يستدلون بالنور على وجود الستور، فلا يرون إلا النور، و بالحق على وجود الخلق، فلا يجدون إلا الحق، و بقدرته على حكمته، فوجدوا قدرته عين حكمته، و حكمته عين قدرته، فغابوا بشهود الحق عن رؤية الحق، إذ محال أن تشهده و تشهد معه سواه.

و أمــا أهل الخدمة من أهل الحكمة، فهم يستدلون بظهور الستور على وجود النور، و بالخلق على وجود الحق، غابوا عنه في حال حضوره، و حجبوا عنه بشدة ظهوره،

قال أحد العارفين: أثبت الله للعامة المخلوق، فأثبتوا به الخالق، و أثبت للخاصة نفسه فأثبتوا به المخلوق اهـ.

فشتان أي فرق كبير بين من يستدل به على ظهور أثره، و بين من يستدل بظهور أثره على وجوده، لأن من يستدل به عرف الحق، و هو الوجود الحقيقي لأهله، أي لمن هو أهل له، و يستحقه و هو الله الواجد الموجود الملك المعبود، و أثبت الأمر و هو القدم للوجود الحقيقي من وجود أصله، و هو الجبروت الأصلي القديم الأزلي، يعني من عرف الله حتى صار عنده ضروريا عرف الوجود إنما هو الله و انتفى عنه وجود ما سواه، و أثبت القدم لأوله و منتهاه.

أو تقول: عرف الحق، و هو الوجود الأصلي لأهله و هو الله تعالى، و أثبت الأمر و هو الوجود الفرعي من وجود أصله، أي ألحقه بأصله، فإذا التحق الفرع بالأصل صار الجميع جبروتيا أصليا، و يحتمل أن يكون معناهما واحد، و يكون التقدير عرف الوجود الحقيقي لأهله، و أثبت ذلك الأمر من أصله، كقولك عرفت هذا الحكم و أصبت من أصله و الله تعالى أعلم .

و أما من يستدل عليه، فلبعده عنه في حال قربه منه، و لغيبته عنه في حال حضوره معه، بعّـده الوهم، و غيبه عدم الفهم، و إلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، إذ هو أقرب إليك من حبل الوريد، و متى بعد حتى تكون الآثار الوهمية هي التي توصل إليه، و هو معكم أينما كنتم، إذ أثر القدرة هو عينها، فالصفة لا تفارق الموصوف، إذ لا قيام لها إلا به، و لا ظهور لها إلا منه، و سيأتي له في المناجاة: إلــهي، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، و متى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، و الله تعالى أعلم .

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 195

   قلت: طلب الشيء يدل على محبته، و محبة الشيء عبودية له، و الحق تعالى لا يحب أن تكون عبدا لغيره، فلا تطلب معه حالا و لا مقاما، فإن وردت عليك الأحوال و هي الواردات الإلهية، ثم انقشعت و انصرفت، فلا تطلب بقاءها بعد أن بسطت في قلبك أنوارها،...

Sagesse 197

   قلت: نعيم الروح و عذابها، إنما هو بشهود ربها و احتجابها، و ذلك بعد تخلصها من عالم الأشباح، و ترقيها إلى عالم الأرواح، فيكون حينئذ نعيمها روح الوصال، و ريحان الجمل، و عذابها و احتجابها عن شهود ذلك الجمال، و بعدها عن الكبير المتعال، و...

Sagesse 209

لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف    فلا يخرجك عن أوصافك الذميمة إلا شهود أوصاف ربك العظيمة، فهو يخرجك من دناءك نفسك إلى شهود كرم ربك، فلا يخرجك من شهود أوصافك الحادثة إلا شهود أوصاف ربك القديمة، فيخرجك من شهود فعله بشهود فعله، و عن...


تعليق (0)

تعليق جديد