3# سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار.

قلت السوابق جمع سابقة و هي المتقدمة، و الهمم جمع همة، و الهمة قوة انبعاث القلب في طلب الشيء و الاهتمام به، فإن كان ذلك الأمر رفيعا، كمعرفة الله و طلب رضاه، سميت همة عالية، و إن كان أمرا خسيسا كطلب الدنيا و حظوظها سميت همة دنية، و سوابق الهمم من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي الهمم السوابق لا تخرق أسوار الأقدار، أي إذا اهتم العارف أو المريد بشيء، و قويت همته بذلك، فإن الله تعالى يكوّن ذلك بقدرته، في ساعة واحدة حتى يكون أمره بأمر الله، و كان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول: المريد الصادق إذا كان فانيا في الاسم مهما اهتم بالشيء كان، و إن كان فانيا في الذات، يتكون الشيء الذي يحتاجه قبل أن يهتم به، أو كلام هذا معناه، و هو صحيح، و في بعض الأخبار يقول الله تعالى: عبدي ، أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون، و في الحديث الصحيح أيضا : " فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا إن سألني أعطيته " و مع ذلك، لا ينفصل بذلك و لا يتكون إلا ما أحاط به قدر الله و قضاؤه، فهمة العارف تتوجه للشيء، فإن وجدت القضاء سبق به كان ذلك بإذن الله، و إن وجدت سور القدر مضروبا عليه لا تخرقه بل تتأدب معه و ترجع لوصفها، و هي العبودية، فلا تتأسف و لا تحزن، بل ربما تفرح لرجوعها لمحلها و تحققها بوصفها..

  و قد كان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول: نحن إذا قلنا شيئا فخرج فِرحْنا مرة واحدة، و إذا لم يخرج فرحنا عشر مرات، و ذلك لتحققه بمعرفة الله ..

   و قيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك، قال بنقض العزائم، و قد يحصل هذا التأثير للهمة القوية، و إن كان صاحبها قويا كما يقع للعائن و الساحر عن خبثهما، أو لخاصية جعلها الله فيهما، إذا نظرا لشيء بقصد انفعل ذلك بإذن الله، و هذا أيضا لا يخرق أسوار الأقدار، بل لا يكون إلا ما أراد الله الواحد القهار، قال تعالى: (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ) البقرة 102 ، و قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ ) الإنسان 30 ، و قال صلى الله عليه و سلم : " كل شيء بقضاء و قدر حتى العجز و الكيس" ، أي النشاط للفعل، و أشعر بقوله: سوابق، أن الهمم الضعيفة لا ينفعل لها شيء، و هو كذلك في الخير و الشر، و في استعارته الخرق، و الأسوار ما يشعر بالقوة في الجانبين، لأن الحاصر قاهر، فلا عبرة بالعبد القاصر ..

   و إذا كانت الهمة لا تخرق أسوار الأقدار، فما بالك بالتدبير و الاختيار الذي أشار إليه بقوله:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 138

   قلـت: الخلق في التحقيق عدم، و الوجود إنما هو لله الواحد الأحد، فوجود السوي هو كالهباء في الهواء، أو كظلال الأشخاص، إن فتشتهم لم تجدهم شيئا، فغيب عنك أيها الفقير نظر الخلق إليك اكتفاء بنظر الحق إليك، إذ لا نظر سواه، و غب عن إقبالهم...

Sagesse 156

   قلت: علامة الكلام الذي يسبقه التنوير هو تأثيره في القلوب، و تهييجه الأرواح و تشويقه الأسرار، فإذا سمعه الغافل تنبه، و إذا سمعه العاصي انزجر، و إذا سمعه الطائع زاد نشاطه و عظم شوقه، و إذا سمعه السائر طوى عنه تعب سيره، و إذا سمعه...


تعليق (0)

تعليق جديد