42# ما قل عمل برز من قلب زاهد، و لا كثر عمل برز من قلب راغب.

قلـت: الزهد في الشيء هو خروج محبته من القلب و برودته منه، و عند القوم بغض كل ما يشغل عن الله، و يحبس عن حضرة الله، و يكون أولا في المال، و علامته أن يستوي عنده الذهب و التراب و الفضة و الحجر، و الغنى و الفقر، و المنع و العطاء..

و يكون ثانيا في الجاه و المراتب، و علامته أن يستوي عنده العز و الذل، و الظهور و الخمول، و المدح و الذم، و الرفعة و السقوط.

و يكون ثالثا في المقامات، الكرامات و الخصوصيات، و علامته أن يستوي عنده الرجاء و الخوف و القوة و الضعف، و البسط و القبض، يسير بهذا كما يسير بهذا، أو يعرف في هذا كما يعرف في هذا، ثم يكون الزهد في الكون بأسره بشهود المكون و أمره، فإذا تحقق المريد بهذه المقامات في الزهد أو جلها، كان عمله كله عظيما كبيرا في المعنى عند الله، و إن كان قليلا في الحس عند الناس، و هذا معنى قوله صلى الله عليه و سلم: " عمل قليل في سنة، خير من عمل كثير في بدعة " و أي بدعة أعظم و لا أشنع من حب الدنيا و الانكباب عليها بالقلب و القالب، الذي لم يكن في زمنه صلى الله عليه و سلم، و لا في زمن الصحابة حتى ظهرت الفراعنة فبنوا و شيدوا و زخرفوا، فهذه البدعة الحقيقية، فعمل هؤلاء قليل في المعنى و إن كان كثيرا في الحس، إذ لا عبرة بحركة الأشباح، و إنما العبرة بخضوع الأرواح، عبادة الزاهد بالله لله، و عبادة الراغب بالنفس للنفس، عبادة الزاهد حية باقية، و عبادة الراغب ميتة فانية، عبادة الزاهد متصلة على الدوام، و عبادة الراغب منقطعة بلا تمام، عبادة الزاهد في مساجد الحضرة التي أذن الله أن ترفع، و عبادة الراغب في مزابل القذرات التي أذن الله أن توضع، و لذلك قال بعضهم: عبادة الغني كالمصلي على المزبلة، و ما مثل عبادة الزاهد مع قلتها في الحس و كثرتها في المعنى، و عبادة الراغب مع كثرتها في الحس و قلتها في المعنى، إلا كرجلين أهديا للملك، أحداهما أهدى ياقوتة صغيرة قيمتها ستون قنطارا، و الآخر أهدى ستين صندوقا فارغة خاوية، و يغضب عليه لكونه استهزأ بالملك حيث أهدى له خشبا خاويا شهرتها أعظم من منفعتها.

و سمعت شيخنا رضي الله عنه يقول: الراغب في الدنيا غافل و لو كان يقول على الدوام بلسانه: الله الله، إذ لا عبرة باللسان، و الزاهد في الدنيا ذاكر على الدوام، و لو قل ذكره باللسان.

قلــت: و بهذا فسر بعضهم قوله تعالى: " و لا يذكرون الله إلا قليلا" أي مع الغفلة و الرغبة و لو كثر في الحس.

و قال سيدنا علي كرم الله وجهه: كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتماما للعمل، فإنه لم يقل عمل مع التقوى، و كيف يقل عمل يتقبل، و قال ابن مسعود رضي الله عنه: ركعتان من زاهد عالم خير و أحب عند الله من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا، و قال بعض السلف: لم يفتكم أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم بكثرة صلاة و لا صيام، إلا أنهم كانوا أزهد في الدنيا.

و في بعض الأخبار أن سيدنا عيسى عليه السلام مر برجل نائم، و الناس يتعبدون، فقال له عيسى عليه السلام: قم لتتعبد مع الناس، فقال تعبدت يا روح الله، قال و ما عبادتك، قال: تركت الدنيا لأهلها، فقال: نعم العبادة هته أو كما قال عليه السلام، و قال رجل لأبي الحسن رضي الله عنه: ما لي أرى الناس يعظمونك، و لم أر لك كبير عمل، فقال: بسنة واحدة افترضها الله على رسوله، تمسكت بها، فقال له و ما هي قال: الإعراض عنكم و عن دنياكم.

قال الشيخ رزوق رضي الله عنه: و إنما كانت للزهاد هذه الفضيلة لثلاثة أوجه:

أولها: ما فيه من فراغ القلب من الشواغل و الشواغب.

الثاني: لأنه شاهد بوجود الصدق في المحبة، إذ الدنيا محبوبة لا تترك بما هو أحب، قال عليه السلام: الصدقة برهان، قيل على حب العبد ربه.

الثالث: لأنه دليل على المعرفة بالله و الثقة به، لأن بذل الموجود في الثقة بالمعبود، و منع الموجود من سوء الظن بالمعبود.

 

حسن الظاهر من حسن الباطن

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 83 arabe

من عبده لشيء يرجــوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه، فما قام بحق أوصافه    قلـت: الناس في عبادة الله على ثلاثة أقسام:    فمنهم من يعبد الله خوفا من عقوبة معجلة أو مؤجلة، أو طمعا في رحمته و حفظه عاجلا أو آجلا، و هم...

Sagesse 187

   قلت: قد ذكر أهل الفن في هذا المقام اصطلاحات و ألفاظ تداولونها بينهم تقريبا لفهم المعاني، فمنها السير و الرحيل، و ذكر المنازل و المناهل و المقامات، و منها الرجوع و الوقوف، و كل ذلك عن مجاهدة النفوس و محاربتها، و قطع العوائق و...

Sagesse 123

   قلـت: أما العباد و الزهاد فلأنهم محجوبون برؤية الخلق عن شهود الحق، فإذا مدحوا شهدوا ذلك من الخلق، و حجبوا عن الجمع بالفرق، و انقبضوا و خافوا على نفوسهم أن تغتر بذلك، أو تقف هناك و هم عاملون على ما تموت به نفوسهم و تحيى به قلوبهم، و...


تعليق (0)

تعليق جديد