46# لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله، فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه.

لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله

قلت: الناس في الخوف و الرجاء على ثلاثة أقسام:

أهل البداية ينبغي لهم تغليب جانب الخوف، و أهل الوسط ينبغي أن يعتدل خوفهم و رجاؤهم، و أهل النهاية يغلّبون جانب الرجــاء.

أما أهل البداية، فلأنهم إذا غلَّبوا جانب الخوف جدوا في العمل، و انكفوا عن الزلل، فبذلك تشرق نهايتهم (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) {العنكبوت/69.

و أما أهل الوسط، فلأنهم قد انتقلت عبادتهم إلى تصفية بواطنهم، فعبادتهم قلبية، فلو غلبوا جانب الخوف لرجعوا إلى عبادة الجوارح، و المطلوب منهم عبادة البواطن على رجاء الوصول و خوف الفضيحة، فيعتدل خوفهم و رجاؤهم.

و أما الواصلون، فلا يرون لأنفسهم فعلا و لا تركا، فهم ينظرون إلى تصريف الحق و ما يجري به سابق القدر ليتلقونه بالقبول و الرضا، فإن كان طاعة شكروا و شهدوا منة الله، و إن كان معصية اعتذروا و تأدبوا و لم يقفوا مع أنفسهم، إذ لا وجود لها عندهم، و إنما ينظرون إلى ما يبرز من عنصر القدرة، فنظرهم إلى حلمه و عفوه و إحسانه و بره أكثر من نظرهم إلى بطشه و قهره، و يرحم الله الشافعي إذ قال:

فلما قسا قلبي و ضاقت مذاهبي

جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنتـــه

بعفوك ربي كن عفوك أعظما

فما زلت ذا جود و فضل و منة

تجود و تعفو منة و تكرمــا

فيا ليت شعري هل أصير لجنة

أهنا، و إما للسعير فأندمــا

 

قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) {الزمر/53، و تأمل قضية الذي قتل تسعا و تسعين نفسا ثم سأل راهبا فقال له لا توبة لك، فأكمل به المائة، ثم أتى عالما فقال له من يحول بينك و بينها، و لكن إذهب إلى قرية كذا ففيها قوم يعبدون الله فكن فيهم حتى تموت، فلما توسط الطريق أدركته الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، فأوحى الله إليهم أن قيسوا القرية التي خرج منها و القرية التي خرج إليها، فإلى أيهما كان أقرب، فأوحى الله إلى القرية التي يريد، أن تقاربي، و إلى القرية التي خرج منها أن تباعدي، فوجد إلى القرية التي يريد أقرب بشبر، فأخذته ملائكة الرحمة.

و الحديث في الصحيحين نقلته بالمعنى، و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: العامة إذا خوفوا خافوا، و إذا رجوا رجوا، و الخاصة متى خوفوا رجوا، و متى رجوا خافوا.

قال في لطائف المنن: كلام الشيخ هذا أن العامة واقفون مع ظاهر الأمر، فإن خُوّفوا خافوا، إذ ليس لهم نفوذ إلى ما وراء العبارة بنور الفهم كما لأهل الله، و أهل الله إذا خوفوا رجوا عالمين أن من وراء خوفهم و ما خوفوا به أوصاف المرجو الذي لا ينبغي أن يقنط من رحمته، و لا أن ييأس من منته، فاحتالوا على أوصاف كرمه علما منهم، ما خوفهم إل ليجمعهم عليهم، و ليردهم بذلك إليه، و إذا رجعوا يخافون غيب مشيئته الذي هو من وراء رجائهم، و خافوا أن يكون ما ظهر من الرجاء اختبارا لعقولهم، هل تقف مع الرجاء أو تنفذ إلى ما بطن في مشيئته، فلذلك أثار الرجاء خوفهم.

و دخل الجنيد على شيخه السري رضي الله عن الجميع فوجده مقبوضا، فقال له: ما لك أيها الشيخ مقبوضا، فقال دخل علي شاب فقال لي ما حقيقة التوبة، فقلت له ألا تنسى ذنبك، فقال الشاب: بل التوبة أن تنسى ذنبك، ثم خرج عني، قال الجنيد: فقلت الصواب ما قال الشاب، لأني إذا كنت في حالة الجفاء، ثم نقلني إلى شهود الصفاء، فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء.

قلـت: نظر السري إلى أهل البداية، و نظر الجنيد إلى أهل النهاية، و الكل صواب، و الله تعالى أعلم.

ثم ذكر موجب تصغير الذنب فقال:

فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه

قلــت: بل من عرف ربه غاب عن رؤية ذنبه لفنائه عن نفسه بشهود ربه، فإن صدر منه فعل يخالف الحكمة غلب عليه شهود النعمة قال تعالى: (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الحجر/49 و أما قوله تعالى: (وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) الحجر/50 فإنما هو لمن يتب، و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " لو أذنبتم حتى تبلغ خطاياكم عنان السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم" و لو أن العباد لم يذنبوا لذهب الله بهم ثم جاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم و هو الغفور الرحيم، و الله أفرح بتوبة عبده من الظمآن الوارد، و من العقيم الوالد، و من الضال الواجد، لكن لا يجب أن يصغر عنده ذنبه حتى يغتر بحلم الله.

و قد أوحى الله إلى داوود عليه السلام أن يا داوود، قل لعبادي الصديقين لا يغتروا، فإني إن أقم عليهم عدلي و قسطي أعذبهم غير ظالم لهم، و قل لعبادي المذنبين لا يقنطوا، فإنه لا يعظم عليهم ذنب أغفره لهم.

و قال الجنيد رضي الله عنه: إذا بدت عين من الكريم ألحقت السيئ بالمحسن، و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه في حزبه: إلَََهــي معصيتك نادتني بالطاعة، و طاعتك نادتني بالمعصية، ففي أيهما أخاف، و في أيهما أرجو، إن قلت بالمعصية قابلتني بفضلك، فلم تدع لي خوفا، و إن قلت بالطاعة قابلتني بعدلك فلم تدع لي رجاء، فليت شعري كيف أرى إحساني إحسانك، أم كيف أجهل فضلك مع عصيانك.

و معنى كلام الشيخ رضي الله عنه، أن العبد إذا كان في المعصية شهد قهرية الحق و عظمته و ضعف نفسه و عجزه، و اكتسب من المعصية انكسارا و ذلا لنفسه، و تعظيما و إجلالا لربه، و هذا أفضل الطاعات، فقد نادته معصيته التي هو فيها بالطاعة التي يجتنيها منها، و إن كان في الطاعة ربما شهد فيها نفسه، و قصد متعته و حظه، فأشرك بربه و أخل بأدبه، و هذه معصية، فإذا كان في الطاعة نادته بهذه المعصية التي يجتنيها منها، فلا يدري من أيهما يخاف، و أيهما يرجو، و قوله: إن قلت بالمعصية ... أي إن نظرت إلى صورة المعصية قابلتني بفضلك فامتحى اسمها و اندرس رسمها، و إن نظرت إلى صورة الطاعة قابلتني بعدلك فاضمحلت و امتحت، و بقي محض الرجاء من الكريم الوهاب، الذي يعطي بلا سبب، و يغطي بحلمه المناقشة و العتاب، و الله تعالى أعلم.

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 209

لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف    فلا يخرجك عن أوصافك الذميمة إلا شهود أوصاف ربك العظيمة، فهو يخرجك من دناءك نفسك إلى شهود كرم ربك، فلا يخرجك من شهود أوصافك الحادثة إلا شهود أوصاف ربك القديمة، فيخرجك من شهود فعله بشهود فعله، و عن...

Sagesse 55 arabe

قلــت: البسوق هو الطول، قال تعالى: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ) ق/10،أي طويلات، و البذر هي البذور( الزريعة)، و الطمع تعلق القلب بما في أيدي الخلق، و تشوف القلب إلى غير الرب، و هو أصل شجرة الذل، فما بسقت أغصان شجرة الذل إلا من بذور الطمع، و لذلك...

Sagesse 105

   قلـت: العوائد كل ما تعودته النفس و ألفته و استمرت معه حتى صعب خروجها عنه، سواء كان ظلمانيا أو نورانيا، كتتبع الفضائل و كثرة النوافل، و هي على قسميــن:    عوائد ظاهرة حسية و عوائد باطنة معنوية..    فمثال...


تعليق (0)

تعليق جديد