53# لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك، و افرح بها لأنها برزت من الله إليك، قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون.

قلـت: قد تقدم في الحديث الشريف:" من سرته حسناته و ساءته سيئاته فهو مؤمن" و الناس في الفرح بالطاعة على ثلاثة أقسام:

قسم فرحوا بها لما يرجون عليها من النعيم، و يدفعون بها من عذابه الأليم، فهم يرون صدورها من أنفسهم لأنفسهم، لم يتبرءوا فيها من حولهم و قوتهم، و هم من أهل قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)..

و قسم فرحوا بها من حيث أنها عنوان الرضا و القبول، و سبب في القرب و الوصول، فهي هدايا من الملك الكريم، و مطايا تحملهم إلى حضرة النعيم، لا يرون لأنفسهم تركا و لا فعلا، و لا قوة و لا حولا، يرون أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، مصرفون عن المشيئة الأصلية، و هم من أهل قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فأهل القسم الأول عبادتهم لله، و أهل القسم الثاني عبادتهم بالله و بقدرة الله، و بينهما فرق كبير..

و قسم ثالث، فرحهم بالله دون شيء سواه، فانون عن أنفسهم باقون بربهم، فإن ظهرت منهم طاعة فالمنة لله، و إن ظهرت منهم معصية اعتذروا لله أدبا مع الله، لا ينقص فرحهم لأنهم برزت منهم معصية، و لا يزيد إن ظهرت منهم طاعة أو يقظة لأنهم بالله، و لله أهل، لا حول و لا قوة إلا بالله، هم العارفون بالله، فإذا ظهرت منك أيها المريد طاعة أو إحسان، فلا تفرح بها من حيث أنها برزت منك، فتكون مشركا بربك، فإن الله تعالى غني عنك و عن طاعتك، و غني عن أن يحتاج إلى من يطيعه، قال تعالى: (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) {العنكبوت/6، و قال صلى الله عليه و سلم حاكيا عن ربه عز و جل:" يا عبادي ، لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا"، و افرح بها من حيث أنها هدية من الله إليك، تدل على أنك من مظاهر كرمه و فضله و إحسانه، و الفرح إنما هو بفضل الله و برحمته، قال تعالى:( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ)..

ففضل الله هو هدايته و توفيقه، و رحمته هو اجتباؤه و تقريبه، و قيــل: فضل الله الإسلام و رحمته القرآن، و قيل فضل الله هداية الدين و رحمته جنة النعيم، و قيـل فضل الله توحيد الدليل و البرهان و رحمته توحيد الشهود و العيان، و قيل غير ذلك، و الله تعالى أعلم..

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 182

   قلت: أما الحقوق التي في الأوقات فهي الطاعة التي عين الله تعالى لها وقتا محدودا، كالصلوات الخمس و السنن المؤكدة، و كذلك الزكاة و الصيام لهما وقت محدود في العام، فإذا خرج وقتها أمكن قضاؤها و إن كان صاحبها مفرطا، لكن بعض الشر أهون...

Sagesse 37 arabe

لا تتعـد نيـة همتـك إلى غيـره، فالكريــم لا تتخطـاه الآمــــال   لا تتعد أي لا تتجاوز، و نية الهمة قصدها الذي يتوجه به، و الهمة القوة المنبعثة في طلب المقاصد، و الآمال قصود القاصدين، و معنى لا تتخطاه، أي لا تتجاوزه إلى غيره.. قلــت:...

Sagesse 138

   قلـت: الخلق في التحقيق عدم، و الوجود إنما هو لله الواحد الأحد، فوجود السوي هو كالهباء في الهواء، أو كظلال الأشخاص، إن فتشتهم لم تجدهم شيئا، فغيب عنك أيها الفقير نظر الخلق إليك اكتفاء بنظر الحق إليك، إذ لا نظر سواه، و غب عن إقبالهم...


تعليق (0)

تعليق جديد