54# قطع السائرين إليه و الواصلين إليه عن رؤية أعمالهم و شهود أحوالهم، أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها، و أما الواصلون فلأنه غيبهم بشهوده عنها.

قلـت: قطع هنا بمعنى غَيَّبَ، و لو عبّر به لكان أظهر و أسهل لما في التعبير بالقطع من الشؤمة، و في عبارته شيء من النقص، فلو قال: غيب السائرين له برؤية أعمالهم و أحوالهم، و الواصلين إليه عن رؤية وجودهم،

أما السائرون، فلأنهم لم يتحققوا فيها الصدق مع الله، و أما الواصلون فلأنهم لم يشهدوا مع الله سواه، يعني أن الحق تعالى غيب السائرين له، و الواصلين إليه عن رؤية أعمالهم الظاهرة و شهود أحوالهم الباطنة، أما السائرون فلأنهم يتهمون أنفسهم على الدوام، فمهما صدر منهم إحسان و لاحت لهم يقظة أو وجدان رأوها في غاية الخلل و النقصان، و استحيوا من الله أن يعتمدوا عليها أو يعتدوا بها، فغابوا عن أعمالهم و أحوالهم و اعتمدوا على فضل ربهم، فالصدق هو لب الإخلاص و سره، أي لم يتحققوا بسر الإخلاص فيها، فلم يروها و لم يركنوا إليها، سئل أحد العارفين ما علامة قبول العمل، قال: نسيانك إياه، و انقطاع نظرك عنه بالكلية بدلالة قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) فاطر10، و قال زين العابدين رضي الله عنه: كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتك، فذلك دليل على أنه لم يقبل، لأن المقبول مرفوع مغيب عنك، و ما انقطعت عنه رؤيتك فذلك دليل على القبول.

و أما الواصلون فلأنهم فانون عن أنفسهم، غائبون في شهود معبودهم، فحركاتهم و سكناتهم كلها بالله و من الله و إلى الله، إذ محال أن تشهده و تشهد معه سواه، فإن ظهرت عليهم طاعة، أو صدر منهم إحسان، شهدوا في ذلك الواحد المنان..

حكي عن الواسطي رحمة الله عليه، أنه لما دخل نيسابور، سأل أصحاب أبي عثمان، بماذا كان يأمركم شيخكم، فقالوا كان يأمرنا بالتزام الطاعة و رؤية التقصير فيها، فقال، أمركم بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود مجريها و منشيها.

قال القشيري: أراد صيانتهم عن الإعجاب و دلالتهم على الآداب.

فضمير قطع يعود إلى الحق سبحانه و تعالى، و السائرين و الواصلين مفعول به، و اعلم أن السائرون في كلام الشيخ هم القسم الثاني الذين فرهم بالطاعة من حيث أنها عنوان القبول، و لا يلزم من الفرح بها رؤيتها،إذ قد يفرح بها من حيث أنها منة من الله و يقطع رؤيته عنها من حيث اعتماده على الله..

و الواصلون هنا هم القسم الثالث الذين هم فرحهم بالله دون شيء سواه و الله تعالى أعلم..

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 204

خير علــم ما كانـت الخشيـة معه    فإن لم تكن خشية فلا خير فيه لأنه حجة على صاحبه، و إليه أشار بقوله: العلم إن قارنته الخشية فلــك و إلا فعليــك    قلت: لأن العلم الذي تصحبه الخشية يمنع صاحبه من الغفلة و أسبابها، و يزهده في...

Sagesse 227

   قلت: إذا قلت شواغلك في الظاهر و عوائقك في الباطن، ثم لم تتوجه إليه في ظاهرك، و لم ترحل إليه في باطنك، فهو علامة غاية الخذلان الكبير، لأن جل الناس ما حبسهم عن التوجه إلى الله إلا كثرة أشغالهم الحسية، فاشتغلت حواسهم بخدمة الدنيا...

Sagesse 62 arabe

قلـت: ما ذكره الشيخ هنا من مؤكدات هذا الباب، و الكل في الآداب، و ذلك ألا تستحقر شيئا من تجليات الحق على أي حال كانت، فلا ينبغي أن ينازع مقتدر و لا أن يضاد قهار و لا أن يعترض على حكيم، فإذا رأيت عبدا أقامه الحق تعالى بوجود الأوراد، ككثرة صلاة و...


تعليق (0)

تعليق جديد