58# من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان.

قلــت: قد قسم الله تعالى عباده ثلاثة أقسام، أهل الشمال و أهل اليمين و السابقون،

أما أهل الشمال فلا كلام عليهم، إذ لا إقبال لهم على الله أصلا.

و أما أهل اليمين فلهم إقبال بوجه ما، لكن لا خصوصية لهم، لأنهم قنعوا بظاهر الشريعة، و لم يلتفتوا إلى سلوك طريقة و لا حقيقة، وقفوا مع الدليل و البرهان و لم ينهضوا إلى مقام الشهود و العيان، و لا كلام معهم أيضا.

و أما السابقون، فقد أقبلوا على الله، متوجهين إليه طالبين الوصول إلى معرفته، و هم في ذلك على قسمين:

- قسم أقبل على الله بملاطفات إحسانه، و قياما بشكر إنعامه و امتنانه، و هم أهل مقام الشكر.

- و قسم أقبل على الله بسلاسل الامتحان، و ضروب البلايا و المحن، و هم أهل مقام الصبر.

أهل المقام الأول أقبلوا على الله طوعا، و أهل المقام الثاني أقبلوا على الله كرها، قال تعالى: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) {الرعد/15، قال أبو مدين رضي الله عنه: سنة الله استدعاء العباد لطاعته بسعة الأرزاق و دوام المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته، فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء و الضراء لعلهم يرجعون، لأن مراده عز و جل رجوع العباد إليه طوعا و كرها.

فقوم بسط الله عليهم النعم، و صرف عنهم البلايا و النقم، ورزقهم الصحة و أمدهم بالأموال و العافية، فأدوا حقها، و قاموا بشكرها فكانت مطية لهم إلى السير إليه، و معونة لهم على القدوم عليه، أخرجوها من قلوبهم و جعلوها في أيديهم، و قليل ما هم، قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سبأ/13، في مثل هؤلاء ورد الحديث:" نعمة الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، و بها ينجو من الشر" أو كما قال صلى الله عليه و سلم ، قال بعض أصحابنا: جعل السلام الدنيا مطية للمؤمن، حاملة له، و لم يجعل المؤمن مطية لها حتى يتكلف حملها..

فهذا يدل على أنها في يده، يستعين بها على السير إلى ربه، لا لأنها في قلبه، حتى يركب المشقة في طلبها، و الله تعالى أعلم.

و قــوم، أمدهم الله بالنعم، و بسط لهم في المال و العافية، و صرف عنهم النقم، فشغلهم ذلك عن النهوض إليه و منعهم من السير إلى حضرته، فسلب ذلك عنهم و ضربهم بالبلايا و المحن، فأقبلوا على الله بسلاسل الامتحان، عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل، و قد مدح الله الغني الشاكر و الفقير الصابر بمدح واحد، فقال تعالى في حق داوود عليه السلام: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)ص30، و قال في حق أيوب عليه السلام: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ص44، و قال بعضهم لأن أعطَى فأشكر خير من أن أبلى فأصبر، و كان أبو العباس المرسي يرجح الغني الشاكر على الفقير الصابر، و هو مذهب ابن عطاء و مذهب الحكيم الترمذي، و يقول: الشكر صفة أهل الجنة و الفقر ليس كذلك، قال في لطائف المنن و التحقيق، أن الفقير الصابر هو الغني الشاكر، و بالعكس، لأن الغنى إنما هو بالله، فإذا استغنى القلب بالله، فصاحبه هو الغني الشاكر، و لا عبرة بما في اليد، فقد تكون اليد معمورة و القلب فقير، و قد يكون القلب غنيا و اليد فقيرة، و قد تكون اليد معمورة و القلب مع الله، غنيا عما سواه..

قال بعض المشايخ: كان رجل بالمغرب من الزاهدين في الدنيا، و من أهل الجد و الاجتهاد، و كان عيشه مما يصيده من البحر، و كان الذي يصيده يتصدق ببعضه و يتقوت بالبعض، فأراد بعض أصحاب هذا الشيخ أن يسافر إلى بلد من بلاد المغرب فقال له هذا الزاهد: إذا دخلت على بلد كذا فلسم على أخي فلان، فأقرأه مني السلام و اطلب منه الدعاء، فإنه ولي من أولياء الله تعالى، قال فسافرت حتى قدمت تلك البلد، فسألت عن ذلك الرجل، فدللت على دار لا تصلح، و ملبس، و كأنما هو ملك في مركبه، قال: فازداد تعجبي أكثر من الأولين، فهممت بالرجوع و عدم الاجتماع به ثم قلت لا يمكنني مخالفة الشيخ، فاستأذنت فأذن لي، فلما دخلت رأيت ما هالني من العبيد و الخدم و الشارة الحسنة، فقلت له أخوك فلان يسلم عليك، قال لي: أجئت من عنده، قلت نعم، قال: إذا رجعت إليه فقل له: إلى كم اشتغالك بالدنيا و إلى كم إقبالك عليها، و إلى متى لا تنقطع رغبتك فيها، فقلت و الله أعجب من الأول، فلما رجعت إلى الشيخ قال: اجتمعت بأخي فلان، قلت نعم، قال فما الذي قال لك، قلت: لا شيء، قال لا بد أن تقول لي، فأعدت عليه ما قال، فبكى طويلا و قال: صدق أخي فلان، هو غسل الله قلبه من الدنيا، و جعلها في يده و على ظاهره، و أنا آخذها من يدي، و لي إليها بقايا التطلع،( من لطائف المنن للمؤلف).

الشكر يديم النعــم

فأحوال الأولياء لا تنضبط بفقر و لا غنى، لأن الولاية أمر قلبي، لا يعلمها إلا من خصهم الله بها و بالله التوفيق، و من أقبل على الله بملاطفات إحسانه، وجب عليه شكر ما أسدي إليه من لطائف كرمه و امتنانه، و إلا زالت عنه بسبب كفره و عصيانه

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 30 arabe

التشوف إلى الشيء هو الاهتمام به و التطلع له. قلــت: تشوفك أيها الإنسان إلى ما بطن فيك من العيوب، كالحسد و الكبر و حب الجاه و الرياسة و هم الرزق و خوف القهر و طلب الخصوصية، و غير ذلك من العيوب، و البحث عنها و السعي في التخلص منها، أفضل من تشوفك...

Sagesse 54 arabe

قلـت: قطع هنا بمعنى غَيَّبَ، و لو عبّر به لكان أظهر و أسهل لما في التعبير بالقطع من الشؤمة، و في عبارته شيء من النقص، فلو قال: غيب السائرين له برؤية أعمالهم و أحوالهم، و الواصلين إليه عن رؤية وجودهم، أما السائرون، فلأنهم لم يتحققوا فيها الصدق...

Sagesse 132

   قلـت: الدليل الموصل للمطلوب، فإذا صار الحق تعالى بك إلى ولي عارف به و دلك عليه، فقد صار بك إلى معرفته، و دلك عليه، فمهما دلك على وليه و أطلعك على سره، فقد دلك عليه قطعاً، و وصلك إلى حضرته سريعا، فلم يجعل الحق سبحانه الدلالة على...


تعليق (0)

تعليق جديد