59# من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها و من شكرها فقد قيدها بعقالها.

قلـت: اتفقت مقالات الحكماء على هذا المعنى، و أن الشكر قيد الموجودات، و صيد المفقودات..

و قالوا أيضا: من أعطي و لم يشكر، سلب منها و لم يشعر، فمن شكر النعمة فقد قيدها بعقالها، و من كفرها فقد تعرض لزوالها، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الأنفال/53 ، أي إن الله لا يغير ما بقوم من النعم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الشكر، و تغييرهم الشكر هو اشتغالهم بالمعاصي و الكفر، و لذلك قال الجنيد رضي الله عنه: الشكر أن لا يعصى الله بنعمة، و قيل الشكر فرح القلب بالمنعم لأجل نعمته حتى يتعدى ذلك إلى الجوارح، فتنبسط بالأوامر و تنكف عن الزواجر.

و قال في لطائف المنن: الشكر على ثلاث أقسام: شكر اللسان و شكر الأركان و شكر الجنان.

فشكر اللسان، التحدث بنعم الله، قال تعالى:( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى/11 .

و شكر الأركان، العمل بالطاعة لله تعالى: قال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سبأ/13..

و شكر الجنان بالاعتراف بأن كل نعمة بك، أو بأحد من العباد فهي من الله، قال سبحانه و تعالى:( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) {النحل/53،

و من القسم الأول قول النبي صلى الله عليه و سلم:" التحدث بالنعمة شكر" و من الثاني أنه صلى الله عليه و سلم قام حتى تورمت قدماه فقيل له: أتتكلف كل ذلك و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فقال: " أفلا أكون عبدا شكورا"

و سئل أبو حازم ما شكر العينين، قال إذا إذا رأيت بهما خيرا أعلنته، و إذا رأيت بهما شرا سترته، و قيل له ما شكر الأذنين، قال، إذا سمعت بهما خيرا وعيته و إذا سمعت بهما شرا دفنته، و قيل له ما شكر اليدين، قال، لا تأخذ بهما ما ليس لك، و لا تمنع حق الله فيهما، و قيل له ما شكر البطن، قال، كما قال تعالى:( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) {المؤمنون/6 قيل فما شكر الرجلين، قال: إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما، و إن رأيت شيئا مقته كففتهما.

و اعلـم، أن الناس في الشكر على ثلاث درجات، عوام و خواص و خواص الخواص،

فشكر العوام على النعم فقط، و شكر الخواص على النعم و النقم، و شكر خواص الخواص الغيبة في المنعم عن شهود النعم و النقم.

و النعم التي يقع الشكر عليها ثلاثة أقسام:

دنوية كالصحة و العافية و المال الحلال.

و دينية كالعلم و العمل و التقوى و المعرفة.

و أخروية كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل؛ و أجل النعم الدينية، التي يتأكد الشكر عليها نعمة الإسلام و الإيمان و المعرفة، و شكرها هو اعتقاد أنها منة من الله تعالى بلا واسطة و لا حول و لا قوة، قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) الحجرات7، و قال تعالى: (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الحجرات/8..

قال أبو طالب المكي رضي الله عنه: بعد كلام، فلو قلب قلوبنا في الشك و الضلال كما يقلب نياتنا في الأعمال، أي شيء كنا نصنع و على أي شيء نعول، و بأي شيء كنا نطمئن و نرجو، فهذا من كبائر النعم، و معرفته هو شكر نعمة الإيمان، و الجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان توجب العقوبة، وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول، أو استطاعة بقوة و حول هو كفر نعمة الإيمان، و أخاف على من توهم ذلك أن يسلب الإيمان لأنه بدل شكر نعمة الإيمان كفرا..

 

خف من مقابلة إحسانه لك بإساءتك معه

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 226

  ربَّ عمر اتسعت آماده و قلت إمداده، و رب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده    قلت: ربَََََََََََََََََََّ هنا للتكثير في الموضعين، فكثير من الأعمار اتسعت آمادها، آماد جمع أمد، و هو الزمان، أي كثير من الناس طالت أعمارهم و اتسعت أزمنتهم،...

Sagesse 152

    قلت: الكرامة الحسية هي خرق الحس العادية، كالمشي على الماء و الطيران في الهواء و طي الأرض و نبع الماء و جلب الطعام و الاطلاع على المغيبات، و غير ذلك من خوارق العادات، و الكرامة المعنوية هي استقامة العبد مع ربه في الظاهر و الباطن،...

Sagesse 131

   قلـت: أنوار السرائر هي العلوم اللدنية و المعارف الربانية، و يجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير أهله، و من أباحه أبيح دمه، و هو الذي قتل بسببه الحلاج، و كثافة الظواهر هي البشرية الظاهرة..    أو تقول: أنوار السرائر...


تعليق (0)

تعليق جديد