66# إنما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين، لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، و لأنه أجلّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها.

قلــت: لا شك أن الله تعالى وسم هذه الدار بدار الغرور، و حكم عليها بالهلاك و الثبور، فهي دار دنية دانية زائلة فانية، و لذلك سميت الدنيا، إما لدنوها و إما لدناءتها، فهي ضيقة الزمان و المكان، و وسم الآخرة بدار القرار، و محل ظهور الأنوار و انكشاف الأسرار، محل النظرة و الحبور، و دوام النعمة و السرور، محل شهود الأحباب، و رفع الحجاب، نعيمها دائم، و وجودها على الدوام قائم، فلذلك جعلها الحق تعالى محلا لجزاء عباده المؤمنين، و مقعد صدق للنبيين و الصديقين، و لم يرض سبحانه أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، ضيقة الزمان و المكان، و محل الأكدار و الأغيار و الهوان، لأنها ضيقة لا تسع ما يريد أن يعطيهم، أي لا يسع فيها ما يريد أن يكرمهم به سبحانه و تعالى، لا زمانا و لا مكانا، لأن أدنى أهل الجنة يملك قدر الدنيا عشر مرات، فكيف بأعلاهم، قال تعالى:( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة17، و قال صلى الله عليه و سلم: " يقول الله تبارك و تعالى، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر "، و لأنه جل و علا، أي عظم أقدار عباده المؤمنين و المقربين، أن يجازيهم في دار لا بقاء لها، فعمارتها خراب، و وجودها سراب، ففي بعض الأخبار، لو كانت الدنيا من ذهب يفنى و الآخرة من خزف يبقى لاختار العاقل من يبقى على ما لا يبقى، و لا سيما بالعكس، فالآخرة من ذهب يبقى و الدنيا من خزف يفنى، فلا يختارها إلا من حكم عليه بالشقاء و العناء.

و في حديث آخر: ألا و أن السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفك عذابها، و قدم لما يقدم عليه مما هو الآن في يده قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه، و قد شقي هو بجمعه و احتكاره /.

و عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: " حلوا أنفسكم بالطاعة و ألبسوها قناع المخافة، و اجعلوا آخرتكم لأنفسكم، و سعيكم لمستقركم، و اعلموا أنكم عن قليل راحلون، و إلى الله سائرون، و لا يغني عنكم هناك إلا صالح عمل قدمتموه، أو حسن ثواب جزيتموه، إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم، و تجازون على ما أسلفتم، فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات عالية، فكأن قد كشف القناع، و ارتفع الارتياب و لاقى كل امرء مستقره و مثواه و منقلبه /.

ثم إن الجزاء في تلك الدار إنما يكون على العمل في هذه الدار بشرط كونه مقبولا و قبوله مغيب، لكن له علامات يعرف بها هنا أشار إليها بقوله:

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 166

   قلت: هذا ميزان آخر، و إن شئت قلت هو داخل في الميزان الأول، إن من شأن النفس أن يثقل عليها الواجب لمشاركة الناس لها فيه، إذ جل الناس يفعلونه فلا يظهر لها فيه مزية على غيرها، هي أبدا تحب الخصوصية بخلاف النوافل فإنها تبطش إليها و تحب...

Sagesse 212

   قلت: هذا سؤال عن بحث مقدر، كأن قائلا قال له: هل بيننا و بينه مسافة حتى يتحقق سير السائرين إليه، فقال: لا مسافة بينك و بينه إلا حجاب النفس الكثيفة و علائق القلب الكونية، فخرق عوائدها و قطع شهواتها و قطع العلائق و العوائق هو السير...

Sagesse 93 arabe

ليــس كـل من ثبـت تخصيصه كمــل تخليصــه قلـت: المراد هنا بالتخصيص تخصيصه من رق الحظوظ و من بقية السوى، فليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات الحسية كمل تخليصه من حظوظه النفسية، ليــس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات، كمل تخليصه من العوائد و الشهوات، بل قد...


تعليق (0)

تعليق جديد