71# ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده، و انطوائه في شهوده.

قلــت: الإشارة أرق و أدق من العبارة، و الرمز أدق من الإشارة، فالأمور ثلاثة: إشارات و عبارات و رموز، و كل واحدة أدق مما قبلها، فالعبارة توضح، و الإشارة تلوح، و الرمز يفرح، أي يفرح القلوب بإقبال المحبوب، و قالوا علمنا كله إشارة، فإذا صار عبارة خفي أي خفي سره، أي فإذا صار عبارة بإفصاح اللسان لم يظهر سره على الجنان، فإشارة الصوفية هي تغزلاتهم و تلويحاتهم بالمحبوب كذكر سلمى و ليلى، و ذكر الخمرة و الكيسان و النديم، و غير ذلك مما مذكور في أشعارهم و تغزلاتهم، و كذكر الأقمار و النجوم ز الشموس و البدور و اللوائح و الطوالع، و كذكر البحار و الأغراق، و غير ذلك مما هو مذكور في اصطلاحاتهم..

 

أما الرموز فهي إيماء و أسرار بين المحبوب و حبيبه لا يفهمها غيرهم، و منها في القرآن فواتح السور، و منها في الحديث كقوله صلى الله عيه و سلم لأبي بكر:" أريد أن أدعوك لأمر" قال و ما هو يا رسول الله، قال:" هو ذاك" فرمز "لأمر"بينهما لا يعرفه غيرهما، و قال له أيضا:" أتدري يوم يوم" بتكرير لفظ يوم، قال نعم يا رسول الله، سألتني عن يوم المقادير، فهذه رموز بين الصديق و حبيبه، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: في شرح الحزب الكبير، و قد حارت العقول في رموز الحكماء، فكيف بالعلماء، فكيف بالأنبياء، فكيف بالمرسلين، فكيف يطمع في حق رب العالمين/.

أما الإشارات، فيدركها أربابها من أهل الفن، و الناس في إدراكها و عدمه على أقسام:

فمنهــم من لا يفهم منها شيئا، و لا يعرف إلا ظاهر العبارة، و هم الجهال من عموم الناس..

و منهـم من يفهم المقصود، و يجد الحق بعد الإشارة، أي بعد سماع الإشارة، و هم أهل البداية من السائرين..

و منهـم من يفهم الإشارة و يجد المشار إليه، و هو الحق أقرب إليه من إشارته و هم أهل الفناء في الذات قبل التمكين، و لهذا تجدهم يواجدون عند السماع و يتحركون، و تطيب أوقاتهم و تهيم أرواحهم أكثر مما يتواجدون عند الذكر، لأن الإشارة تهيج أكثر من العبارة، بخلاف المتمكنين، قد رسخت أقدامهم، و اطمأنت قلوبهم، و تحقق وصولهم، فاستغنوا عن الإشارة و المشير، و لذلك قيل للجنيد: ما لك كنت تتحرك عند السماع و تتواجد، و اليوم لا نراك تتحرك بشيء قال: وترى الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب /,

و هذا هو العارف الذي لا إشارة له لفنائه في وجود الحق و انطوائه في شهوده، أو تقــول، لتحقق وصوله و تمكنه في شهوده، فصار المشير عين المشار إليه، لفناء وجوده في وجود محبوبه، و انطواء ذانه في ذات مشهوده، أو تقـول: لزوال وهمه و ثبوت علمه، فتحققت الوحودة و امتحت الغيرية،

رق الزجاج و رقت الخمر

فتشابه و تشاكل الأمر

فكأنما خمر و لا قـدح

و كأنما قدح و لا خمر

فالأقداح أشباح و الخمور أرواح، أو تقول لذهاب حسه و انطماس رسمه، فتكسرت الأواني و سطعت المعاني..

و طاح مقامي في الرواسم كلها

فلست أرى في الوقت قريبا و لا بعدا

فنيت به عني فبان به غيــبي

فهذا ظهور الحق عند الفنا قصــدا

أحاط بنا التعظيم من كل جانب

و عادت صفات الحق مما يلي العبـدا

و قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: إن لله عبادا محق أفعالهم بأفعاله، و أوصافهم بأوصافه، و ذاتهم بذاته، و حملهم من الأسرار ما تعجز عنه الأولياء..

و قال القطب ابن مشيش رضي الله عنه و نفعنا ببركاته: و شراب المحبة مجز الأوصاف بالأوصاف و الأخلاق بالأخلاق و الأنوار بالأنوار، و الأسماء بالأسماء، و النعوت بالنعوت، و الأفعال بالأفعال/.

و اصطلح المزج على التبديل مناسبة للشراب، و قال إمام الطريقة أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه في وصف العارف: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه قائم بأداء حقه، ناظر إليه بقلبه، أحرقت قلبه أنوار هدايته، و صفا شرابه من كأس وده، تجلى له الجبار عن أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، و إن سكت فمن الله، و إن تحرك فبإذن الله، و إن سكن فمع الله، فهو بالله و لله و مع الله و من الله و إلى الله/.

فهذه صفات العارف الحقيقي الراسخ المتمكن، قد كل لسانه عن التعبير، و استغنى عن الإشارة و المشير، فإذا صدرت منه إشارة أو تعبير، فإنما ذلك لفيضان وجد أو هداية فقير، و قد صدرت إشارة من المتمكنين، فتحمل على هذا القصد، كقول أبي العباس رضي الله عنه:

أعندك عن ليلى حديث مــحرر

بإيراده يحيى الرميم و ينشـر

أعندك عن ليلى حديث مــحرر

بإيراده يحيى الرميم و ينشــر

فعهدي بها العهد القديم و إننــي

على كل حال في هواها مقصر

و قد كان عنها الطيف قدما يزورني

و لما بزر ما باله يتعـــذر

و هل بخلت حتى بطيف خيالــها

أم اعتل حتى لا يصح التصـور

و من وجة ليلى طلعة الشمس تستضي

و في الشمس أبصار الورى يتحير

و ما احتجبت إلا برفع حجـــابها

و من عجب أن الظهور تستـر

هكذا وجدت بخط الشيخ، و كان مثيرا ما يتمثل بها، قاله المصنف في لطائف المنن، فقــول الشيخ: مـا العارف الخ أي ليس العارف الكامل، و هو الراسخ المتمكن، و أما السائر فيحتاج إلى الإشارة، و يجد الحق أقرب إليه من الإشارة، أو معها، و هي إعانة له و قوته كالعبارة للمتوجهين، و سيأتي العبارة قوت لعائلة المستمعين، و ليس لك إلا ما أنت له آكل، و قولـه: من إذا أشار، أي أشير له، و قوله: بل العارف من لا إشارة له، أي لا يحتاج إليها في نفسه، و قد يشير لأجل غيره كما تقدم، و إنما استغنى عن الإشارة، لأن الإشارة و العبارة قوت الجائع، و هو قد شبع و استغنــى..

أو تقــول: لأن الإشارة تقتضي البينونة، و الفرق و هو مجموع في فرقه، و لذلك قال الشيخ أبو يزيد رضي الله عنه: أبعدهم من الله أكثرهم إشارة إليه، و قال ابن العريف في محاسنه: الإشارة نداء على رأس البعد و بوح بعين العلة، أي تصريح بعين علته و هي بعده، و قال الروذبادي: الإشارة الإبانة عما يتضمنه الوجد من المشار إليه، و في الحقيقة الإشارة تصحبها العلل بعيدة من الحقائق، و قال الشبلـي رضي الله عنه: كل إشارة أشار بها و البينونة بدليل قوله: حتى يشيروا إلى الحق بالحق، و إنما نفي الطريق إلى ذلك لاستغناء الحق عن الإشارة و المشير و الله تعالى أعلم..

و يحتمل أن يريد بالإشارة إشارة القلب، أو الفكرة إلى الوجود، فإن القلب إذا أشار إلى الكون بأسره فني و تلاشى، و وجد الحق أقرب إليه من إشارته لكونه كان فانيا قبل إشارته، و هذا حال السائرين..

و أما الواصل فلا يحتاج إلى إشارة لكونه قد تحقق فناؤه وانطوى وجوده في وجود محبوبه، فلم يحتج إلى إشارة لتمكن حاله و تحقق مقامه و الله تعالى أعلم..

و سئل ابن الأعرابي عن الفناء فقال: هو تبدو العظمة و الإجلال على العبد، فتنسيه الدنيا و الآخرة و الأحوال و الدرجات و المقامات والأذكار، تفنيه عن كل شيء،و عن عقله و عن نفسه،و فناءه عن الأشياء و عن فائه عن الفناء لأنه تغرق في التعظيم.

الرجـاء ما قارنه عمل

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 214

   قلت: ميادين الغيوب هي ما أدركته الروح من ضيق الأشباح إلى عالم الأرواح، و من فضاء الشهود إلى معرفة الملك المعبود، فما دام الإنسان في الكون، بحيث لا يشهد إلا الكون و لا يدرك إلا الحس لم تفتح له ميادين الغيوب، أي لم يخرج من فضاء...

Sagesse 88 arabe

ليخفف ألم البلاء عليـك، علمـك بأنه سبحانه هو المبتلي لك فالـذي واجهتـك منـه الأقــدار هـو الـذي عـودك حسـن الاختيــار قلـت: إذا أصابتك أيها الإنسان مصيبة، أو نزلت بك بلية في بدن أو أهل أو مال، فاذكر من أنزل ذلك عليك، و ما هو متصف به من الرحمة...

Sagesse 59 arabe

قلـت: اتفقت مقالات الحكماء على هذا المعنى، و أن الشكر قيد الموجودات، و صيد المفقودات.. و قالوا أيضا: من أعطي و لم يشكر، سلب منها و لم يشعر، فمن شكر النعمة فقد قيدها بعقالها، و من كفرها فقد تعرض لزوالها، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ...


تعليق (0)

تعليق جديد