72# الرجاء ما قارنه عمل، و إلا فهو أمنية.

قال بعض العلماء: الرجاء تعلق القلب بمطموع يحصل في المستقبل مع الأخذ في العمل المحصل له، و أقربه طمع يصحبه عمل في سبب المطموع فيه لأجل تحصيله /.

و الأمنية اشتهاء و تمني لا يصحبه عمل، فإن كان مع الحكم و الجزم فهو تدبير، و هو أتم قبحا قاله الشيخ زروق..

قلــت: فمن رجا أن يدرك النعيم الحسي كالقصور و الحور فعليه بالجد و الطاعة إلى نوافل الخيرات، و إلا كان رجاؤه حمقا و غرورا، و قد قال معروف الكرخي رضي الله عنه: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، و ارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، و ارتجاء رحمة من لا يطاع جهل و حمق، و قيل من زعم أن الرجاء مع الإصرار صحيح، فكذلك فليزعم أن الربح مع الفقر، و وقد النار من البحر صحيح..

و من كان رجاؤه تحقيق العلوم و فتح مخازن الفهوم، فعليه بالمدارسة و المطالعة و مجالسة أهل العلم المحققين العاملين مع تحليته بالتقوى و الورع، قال تعالى: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة/282.. فإن فعل هذا كان طالبا صادقا، و إلى ما رجا واصلا، و إلا كان باطلا و بقي جاهلا..

و قد قال بعض المحققين، من أعطى كليته في العلم أخذ كليته، و من يعط كليته لم يأخذ بعضه و لا كليته، و في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: " إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم، من يطلب الخير يؤته و من يتق الشر يوقه"..

و الذي تفيده التقوى إنما هو فهم يوافق الأصول، و يشرح الصدور و يوسع المعقول، و من كان رجاؤه الوصول إلى إدراك المقامات و تحقيق المنازلات، و مواجيد المحبين، و أذواق العارفين، فعليه بصحبة الفحول من الرجال، أهل السر و الحال، بحط رأسه و ذبح نفسه، و الأخذ فيما كلفوه به من الأعمال مع الذل و الافتقار و الخضوع و الانكسار، فإن زعم أنه لم يجدهم، فليصدق في الطلب، فالسر كله في صدق الطلب، و ليستغرق أوقاته في ذكر الله و ليلتزم الصمت و العزلة، و ليحسن ظنه بعباد الله، فإن الله يقيض له من يأخذ بيده، (إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الأنفال/70..

قال في القواعد: قاعدة طلب الشيء من وجهه و قصده أقرب لتحصيله، و قد ثبت أن حقائق علوم الصوفية منح إلهية، و مواهب اختصاصية، لا تنال بمعتاد الطلب، فلزم مراعاة وجه ذلك، و هو ثلاث:

أولها: العمل بما علم قدر الاستطاعة..

الثاني: اللجوء إلى الله قدر الهمة..

الثالث: إطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة، فيجري الفهم و ينتفي الخطأ و يتيسر الفتح..

و قد أشار الجنيد رضي الله عنه إلى ذلك بقوله: ما أخذنا التصوف عن القيل و القال، و المراء و الجدال، إنما أخذناه عن الجوع و السهر و ملازمة الأعمال، أو كما قال..

و في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم:" من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" و قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: فإذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت و رجعت إلى صاحبها بلطائف العلوم من غير أن يؤدي إليها عالم علما/.

فمن كان رجاؤه أن يدرك هذه الأمور المتقدمة، و شرع في أسبابها و تحصيل مبادئها كان علامة على نجح مطلبه، و كان رجاؤه صادقا، و من طمع فيها من غير أن يأخذ بالجد في أسباب تحصيلها كان أمنية أي غرورا و حمقا، و كان الحســن رضي الله عنه يقول: يا عباد الله اتقوا هذه الأماني، فهي أودية النوكي يحلون فيها، فوالله ما أتى الله عبدا بأمنية خيرا في الدنيا و الآخرة/, و النوكي بفتح النون جمع أنوك و هو الأحمق..

 

مطلب العارفين من الله

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 137

   قلـت: إذا خلصك الحق تعالى أيها الفقير بخصوصية من خصوصيات خواصه، كزهد أو توكل أو ورع أو رضا، أو تسليم أو محبة أو يقين في القلب، أو معرفة، أو أظهر على يديك كرامة حسية أو معنوية، أو استخرجت فكرتك حكما، أو مواهب كسبية أو لدنية، ثم...

Sagesse 121

المـؤمن إذا مـدح استحيى من الله أن يثنـي عليـه بوصـف لا يشهـده من نفســه     قلـت: قد تقرر أن التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق، و من تمام نعمته عليك أن خلق فيك و نسب إليك، فإذا أطلق الثناء عليك بشيء لا نسبة لك فيه، و إنما أنت...

Sagesse 223

    قلت فالذي ذكر ليستنير قلبه، هو الذي يسبق ذكره نوره، فهو من القوم الذين تسبق أذكارهم أنوارهم، و الذي استنار قلبه فكان ذاكرا هو الذي يسبق ذكره نوره، فهو من القوم الذين تسبق أنوارهم أذكارهم، و هم العارفون بالله، لا تجدهم إلا في...


تعليق (0)

تعليق جديد