76# البسط تأخد النفس منه حظها و القبض لا حظ للنفس فيه.

قلــت: لأن البسط جمال و القبض جلال، و من شأن الجمال أن يأتي بكل جمال، ثم هو عين الجلال، أين هو حبيبك، ثم عدوك، أين هو الربح، ثم هو الخسارة، و معنى ذلك أن الموضع الذي يلائم النفس و يليق بها، ثم هو خسارة القلب و حجاب الروح، لأن الموضع الذي تحيى به النفس يموت فيه القلب، و الموضع الذي تموت فيه النفس يحيى به القلب و الروح، و لذلك قال ابن الفارض رضي الله عنه:

الموت فيه حياتي

و في حياتي قتلي

و قال الششتري رضي الله عنه:

إن ترد وصلنا فموتك شرط

لا ينال الوصال من فيه فضله

و كتب يوسف بن الحسن الرازي رحمه الله إلى الجنيد رضي الله عنه: لا أذاقك الله طعم نفسك، فإنك إن ذقتها لم تذق بعدها خيرا أبدا /.

و قال أبو علي الدقاق رضي الله عنه: القبض حق منك، و البسط حقك منه، و لأن تكون بحق ربك أولى من أن تكون بحظ نفســك.

و هذا كله في حق السائرين، و أما الواصلون المتمكنون فلا يؤثر فيهم جلال و لا جمال، و لا يحركهم قبض و لا بسط كما تقدم لأنهم بالله و لله و من الله و إلى الله و بالله تصرفهم، و لله عبوديتهم، و من الله ورودهم، و إلى الله صدورهم، لأنهم لله لا لشيء دونه..

قال الجنيد رضي الله عنه: الخوف يقبضني، و الرجاء يبسطني، و الحقيقة تجمعني، و الحق يفرقني، إذا قبضني بالخوف أفناني عني، و إذا بسطني بالرجاء ردني علي، و إذا أجمعني بالحق أحضرني، و إذا فرقني بالحق أشهدني غيري فغطاني عنه، فهو في كل ذلك محركي غير مسكني، و موحشي غير مؤنسي بحضوري لذوق طعم وجودي، فليته أفناني عني فمتعني، أو غيبني عني فروحني /.

قوله رضي الله عنه: الخوف يقبضني، لأن العبد في حالة الخوف يشهد ما منه إلى الله من الإساءة، فيفتح له باب الحزن و في حالة الرجاء يشهد ما من الله إليه من الإحسان، فيفتح له باب الرجاء و البسط..

و قوله: و الحقيقة تجمعني أن تغنيني عن نفسي و تجمعني به، فلا تشهد إلا من الله إلى الله، فلا قبض و لا بسط..

و قوله: و الحق يفرقني، المراد بالحق الحقوق اللازمة للعبودية، فلا ينهض إليها إلا بشهود نوع من الفرق، و إن كان نهوضه بالله..

و قوله: إذا قبضني بالخوف أفناني عني، أي إذا تجلى لي باسمه الجليل، ذاب جسمي من هيبة المتجلي، و إذا بسطني بالرجاء، بأن تجلى لي باسمه الجميل أو الرحيم رد نفسي و وجودي علي، و إذا جمعني عليه بشهود الحقيقة أحضرني معه بزوال وهمي، و إذا فرقني بالحق الذي أوجبه علي للقيام بوظائف حكمته، أشهدني غيري حتى يظهر الأدب مني معه، و قد يقوي الشهود، فلا يشهد الأدب إلا منه إليه..

و قوله: فغطاني عنه، لأن العبد في حالة النزول إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ و قد يرجع لمقام المراقبة لكنه غير لازم و سيأتي للمؤلف بل نزلزا في ذلك بالله و من الله و إلى الله فلهذا لا تغطية للعبد في حالة النزول للحق أصلا..

وقوله: فهو في ذلك محركـي غير مسكني، يعني أن الحق تعالى حين يقبضه بالخوف أو يبسطه بالرجاء أو يجمعه بالحقيقة أو يفرقه بالحق هو محرك لع ليسيره إليه و يحوشه إليه، غير مسكن له في مقام واحد، و موحشه عن عالم نفسه غير مؤنس له بها بسبب حضوره مع عوالمه البشرية، فيذوق طعم وجودها، فإذا غيبه عنه عرف قدر ما منّ به عليه، و لذلك قال، فليته أفناني عني أي عن رؤية وجودي، فمتعني بشهوده، أو غيبني عن حسي فروحني من الحقوق التي تفرقني عنه بإسقلطها عني في حالة الغيبة، و كأنه مال إلى طلب السلامة خوفا من الوقوع فيما يوجب الملامة، و إن كان الكمال هو الجمع بين العبودية و شهود الربوبية، و الله تعالى أعلم..

 

السر في العطاء و المنع

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 227

   قلت: إذا قلت شواغلك في الظاهر و عوائقك في الباطن، ثم لم تتوجه إليه في ظاهرك، و لم ترحل إليه في باطنك، فهو علامة غاية الخذلان الكبير، لأن جل الناس ما حبسهم عن التوجه إلى الله إلا كثرة أشغالهم الحسية، فاشتغلت حواسهم بخدمة الدنيا...

Sagesse 27 arabe

شتان بمعنى بعد و افترق، و لا تكون إلا في افتراق المعاني دون الحسيات، قلـــت: إعلم أن الحق سبحانه لما أراد أن يتجلى بأسرار ذاته و أنوار صفاته، أظهر بقدرته قبضة من نوره الأزلي، فاقتضت القدرة ظهور آثارها و شهود أنوارها، و اقتضت الحكمة إسدال حجابها...

Sagesse 93 arabe

ليــس كـل من ثبـت تخصيصه كمــل تخليصــه قلـت: المراد هنا بالتخصيص تخصيصه من رق الحظوظ و من بقية السوى، فليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات الحسية كمل تخليصه من حظوظه النفسية، ليــس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات، كمل تخليصه من العوائد و الشهوات، بل قد...


تعليق (0)

تعليق جديد