78# الأكوان ظاهرها غرة، و باطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها، و القلب ينظر إلى باطن عبرتها.

الأكــوان ظاهرها غِــّرة، و باطنهــا عبــرة

   قلــت: الغرة بكسر الغين، وقوع الغرور، و إنما كانت الأكوان ظاهرها غرة لوجهين، أحدهما ما جعل الله سبحانه على ظاهر حسها من البهجة و حسن المنظر، و ما تشتهيه النفوس من أنواع المآكل و المشارب و الملابس و المراكب و شهوة المناكح و المساكن و البساتين و الرياضات، و كثرة الأموال و البنين، و كثرة الأصحاب و العشائر، و الأجناد و العساكر، و غير ذلك من بهجتها و زهرتها و زخرفها، فانكب جل الناس على الاشتغال بجمعها و تحصيلها، و الجري عليها الليل و النهار، و الشهور و الأعوام، حتى هجم عليهم هادم اللذات، فأعقبهم الندم و الحسرات، و لم ينفع الندم و قد جف القلم، سافروا بلا زاد، و قدموا على الملك بلا تأهب و لا استعداد، فاستوجبوا من الله الطرد و البعاد، و لأجل هذا حذر الله سبحانه من غرورها و زخرفها، و الوقوف مع ظاهرها قال تعالى:( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) آل عمران 14، ثم قال تعالـى:( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) آل عمران 15، و قال تعالـى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) الكهف7، أي لنختبرهم أيهم أزهد فيها، و قال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) طه/131..

   و سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أولياء الله الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، فقال: "الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، واهتموا بآجل الدنيا حين اهتم الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، و تركوا منها ما علموا أن يتركهم، فما عارضهم من نائلها عارض إلا رفضوه، و لا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه، خلقت الدنيا في قلوبهم فلم يجددوها و خربت بنيانهم فما يعمرونها، و ماتت في صدورهم فما يحيونها بل يهدمونها، فيبنون بها آخرتهم و يبيعونها ليشتروا بها ما بقي لهم، و نظروا إلى أهلها صرعى قد خلت بهم المثلات، فما يرون أمانا دون ما يرجون، و لا خوفا دون ما يجدون"

   و قال علي كرم الله وجهه، فيما كتبه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه: إنما مثل الدنيا كمثل الحية، ليّن ملمسها، قاتل سمها، فأعرض عنها و ما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، و دع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، و كن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه ..

   فقد جعل سبحانه هذه الأكوان، و هي الدنيا و ما اشتملت عليه، ظاهرها فتنة، و باطنها عبرة، فمن وقف مع ظاهرها كان مغرورا، و من نفذ إلى باطنها كان عند الله مبرورا، فأهل الغفلة و البطالة وقفوا على متعة عاجلها، و بهجة ظاهرها، فغرتهم بزخرفها، و خدعتهم بغرورها حتى أخذتهم بغتة، و أهل اليقظة و الحزم نفذوا إلى باطنها فعرفوا سرعة ذهابها و قلة بقائها، فاشتغلوا بجمع الزاد و تأهبوا ليوم المعاد، أولئك الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و كان السلف الصالح إذا أقبلت الدنيا قالوا: ذنب عجلت عقوبته، و إذا أقبل الفقر قالوا: مرحبا بشعار الصالحين.

   الوجــه الثاني: إنما جعل الله تعالى الأكوان ظاهرها غرة تغطية لسره، و إظهار لحكمته، و ذلك أن الحق سبحانه لما تجلى في مظاهر خلقه غطى سره بمظاهر حكمته..

   أو تقول: الأكوان ظاهرها ظلمة و باطنها نور، فمن وقف مع الظلمة كان محجوبا، و من نفذ إلى شهود النور كان عارفا محبوبا..

   أو تقول: الأكوان ظاهرها حس و باطنها معنى، فمن وقف مع الحس كان جاهلا و من نفذ إلى المعنى كان عارفا.

   أو تقول: الأكوان ظاهرها ملك، و باطنها ملكوت، فمن وقف مع الملك كان من عوام أهل اليمين، و من نفذ إلى شهود الملكوت كان من خواص المقربين، و قد أشرت إلى ذلك في قصيدتي التائية بما يلي:

إذا حبست نفس في سجن الهوى الذي
 

تقيد به العقل في قهر قبضــة
  

و أشغلها علم الصوان لحكمــــة
 

فلم تر إلا الكون في كل وجهة
  

فذلك عين الملك و هم ثبوتــــه
 

و ناظره محجوب في سجن ظلمة
  

و إن نفذت روح المقدس ســـره
 

إلى درك نور الحق فاض بقـدرة
  

فذت ملكوت الله يسمى  لوسعــه
 

و عارفه يحظى بفتح بصيـــرة
  

 

   ثم بين الشيــخ، الواقف مع الظاهر، و النافذ إلى البواطن فقــال:

فالنفــس تنظر إلى ظاهـر غِرتهـا و القلب ينظر إلى باطن عبرتهـا

   قلــت: إنما كانت النفس تنظر عبرتها إلى ظاهر غرتها لما فيها من متعة شهوتها و حظوظها، فلا يخرجها من ذلك إلا شوق مقلق أو خوف مزعج أو عناية ربانية، إما بواسطة شيخ كامل أو إكسير يقلب به الأعيان، أو بغير واسطة و الله ذو الفضل العظيم، و إنما كان القلب ينظر إلى باطن عبرتها لما فيه من نور العرفان الذي يفرق بين الحق و الباطل، و يميز بين النافع و الضار، و هو ثمرة التقوى و التصفية..

أو تقـول: لما فيه من عين البصيرة التي لا ترى إلا المعاني بخلاف عين البصر الذي لا ترى إلا الحس، فتحصــل أن أهل النفوس وقفوا مع ظواهر الأشياء و اغتروا بعاجلها و لم يهتموا بأجلها، فحجبوا عن العمل و غرتهم الأماني و طول الأمل، و في مثلهم ورد الخبر عن سيدنا عيسى عليه السلام كان يقول: ويلكم علماء السوء مثلكم كمثل قثاة حش، ظاهرها جص و باطنها نتن.. و الحش هو بيت الخلاء..

 و أهل القلوب لم يقفوا مع ظواهر الأشياء، بل نفذوا إلى بوطنها و اهتموا بآجالها، و لم يغتروا بعاجلها، فاشتغلوا بالجد و الاجتهاد، و أخذوا في الأهبة و الاستعداد و هم العباد و الزهاد، و أهل الأرواح و الأسرار، لم يقفوا مع الأكوان، لا ظاهرها العاجل و لا باطنها الآجل، بل نفذوا إلى نور الملكوت، و اشتغلوا بتطهير القلوب، و التأهب إلى حضرة علام الغيوب، حتى صلحوا للحضرة و تنزهوا في رياض الفكرة و النظرة، أولئك حزب الله، (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، أولئك المقربون في جنات النعيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، جعلنا الله منهم بمنه و كرمه، و هؤلاء و من تعلق بهم هم الأعزاء عند الله، تعززوا بطاعة العزيز فعزهم العزيز..

 

العز الحقيقي بالله

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 72 arabe

قال بعض العلماء: الرجاء تعلق القلب بمطموع يحصل في المستقبل مع الأخذ في العمل المحصل له، و أقربه طمع يصحبه عمل في سبب المطموع فيه لأجل تحصيله /. و الأمنية اشتهاء و تمني لا يصحبه عمل، فإن كان مع الحكم و الجزم فهو تدبير، و هو أتم قبحا قاله...

Sagesse 210

ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضا و يطلب منه غرضــا    لا شك أن المحبة التي تكون على الحروف و الحظوظ ليست محبة، و إنما هي مصانعة لقضاء الحاجة، فمن أحب أحدا ليعطيه أو ليدفع عنه فإنما أحب نفسه، إذ لولا غرض نفسه فيه ما أحبه، قال أبو...

Sagesse 24 arabe

النجح في الشيء هو بلوغ القصد و المراد فيه، و نجحت مطالبه إذا قضيت و بلغ منها ما أحب، و نهاية الشيء تمامه و بدايته أوله. قلــت: إذا توجهت همتك أيها المريد إلى طلب أي شيء كان، و أردت أن ينجح أمرك و تبلغ مرادك فيه، و تكون نهايتك حسنة، و عاقبته...


تعليق (0)

تعليق جديد