87# أنار الظواهر بأنوار آثاره، و أنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر و لم تأفل أنوار السرائر، و لذلك قيل: إن شمــس النهــار تغــرب بليــــــل و شمــس القلـوب ليسـت تغيــب

أنــار الظواهر بأنوار آثــاره، و أنــار السـرائر بأنوار أوصافــه

قلـت: أنوار الظواهر هي ما ظهر على تجليات الأكوان من تأثير قدرته و إبداع حكمته، كتزيين السماء بالكواكب و القمر و الشمس و ما فيها من إبداع الصنع و تمام الإتقان، و كتزيين الأرض بالأزهار و الثمار و النبات و سائر الفواكه، و كتزيين الإنسان بالبصر و السمع و الكلام و سائر ما فيه من عجائب الصنعة قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين/4 و قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) الكهف/7، فهذه أنوار الظواهر، و أنوار الأوصاف هي العلوم و المعارف و الأسرار، و المراد بالوصاف أوصاف الربوبية كالعظمة و العزة و الجلال و الجمال و الكبرياء و غير ذلك من أوصاف الذات العلية، و الذات لا تفارق الصفات..

فإذا أشرقت السرائر بأنوار معرفة الصفات، فقد أشرقت بأنوار معرفة الذات للتلازم الذي بين الصفات و الذات، ثم الناس في شهود هذه الأنوار الباطنة التي هي أنوار الأوصاف على ثلاثة أقسام:

قسم يشهدونها على البعد و هم أهل مقام الإسلام، و قسم يشهدونها على القرب و هم أهل المراقبة من مقام الإيمان، و قسم يشهدونها على الاتصال، و هم أهل المعرفة من مقام الإحسان..

فأهل الإسلام أنوارهم ضعيفة كأنوار النجوم، و أهل مقام الإيمان أنوارهم متوسطة كنور القمر، و أهل مقام الإحسان، أنوارهم ساطعة كأنوار الشمس، فتحصل أن أنوار الباطن ثلاثة:

نجوم الإسلام، و قمر التوحيد، و شمس المعرفة و إلى هذا المعنى أشار بن الفارض بقوله:

لها البدر كأس و هي شمس يديرهــا *** هـلال و كم يبدو إذا مزجت نجـــم

فالضمير لخمرة المحبة، و هي أيضا شمس المعرفة، فإذا مزجت لتشرب ظهر نجم الإسلام، و إذا وضعت في الكأس طلع قمر التوحيد، و هو الإيمـان، و إذا شربت أشرقت شمس المعرفة، و الذي يديرها على الشاربين هلال، هذا معنى كلامه في الجملة، و تشبيه الأنوار المعنوية بالأنوار الحسية إنما هو تقريب و إلا فأنوار القلوب كلها عظيمة حتى قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء و الأرض، فما ظنك بنور المؤمن المطيع، و قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: لو كشف عن حقيقة الولي لعبد دون الله، و قال في لطائف المنن: و لو كشف الحق عن مشرقات أنوار أوليائه لانطوى الشمس و القمر في مشرقات أنوار قلوبهم، و أين نور الشمس و القمر من أنوارهم، و الشمس و القمر يطرأ عليهم الكسوف و الغروب، و أنوار قلوب أوليائه لا كسوف لها و لا غروب لذلك قال قائلهم:

هذه الشمس قابلتنا بنور

و لشمس اليقين أبهر نور

فرأينا بهذه النور لكـن

بهاتيك قد رأينا المنـيرا

فأنار الحق سبحانه ظواهر الكائنات بأنوار الظواهر، و هي النجوم و القمر و الشمس في الحسن و تزيين الخلق و إبداعه و تخصيصه و تقييده عن شكل معلوم في الأنوار الخفية و تهذيب الجوارح، و تطهيرها من الأنوار المعنوية، و أنار سبحانه القلوب و السرائر بأنوار أوصافه، و هي عظمة الربوبية، و أوصافها إذا أشرقت في القلوب الصحية و الأسرار الصافية، غاب العبد عن شهود الأغيار، و غرق في بحر الأنوار، فتفنى الأشكال و الرسوم و لا يبقى إلا الحي القيوم..

ثم ذكر الفرق بين أنوار الظواهر و أنوار السرائر فقــال:

 

لأجل ذلك أفَلَت أنوار الظواهــر و لم تأفــل أنوار القلوب و السرائــر

أي لأجل أن أنوار الظواهر إنما هي أنوار الأثر، و من شأن الأثر أن يتأثر و يتغير بالطلوع و الغروب، فأفلت، أي غربت أنوار الظواهر، إما بالغروب المعلوم أو بالعدم المحتوم، و لم تأفل أي تغرب أنوار القلوب، و هي أنوار الإسلام و الإيمان، و أنوار السرائر و هي أنوار الإحسان، فأنوار الإسلام و الإيمان هي أنوار التوجه، و أنوار الإحسان هي أنوار المواجهة، فالنور عبارة عن اليقين الذي يحصل في القلب يثمر حلاوة العمل، فإذا قوي اليقين قوي النور، و اشتدت الحلاوة حتى يتصل بحلاوة الشهود، فيغطي حلاوة العمل، و لذلك يقل عمل الجوارح عند العارف، إذ حلاوة الشهود تغني عن كل شيء، و ليس الخبر كالعيان..

و في بعض الأحاديث سئل رسول صلى الله عليه و سلم أي الأعمال أفضل قال: العلم بالله، قالوا يا رسول الله سألناك عن العمل، قال: العلم بالله، ثم قال في الثالثة، عمل قليل كاف مع العلم بالله..

و حقيقة النور في الأصل كيفية تنبسط من النيرين على سطح الجسم، فينكشف ما عليه بواسطة البصر، ثم شبه به العلم و اليقين و المعرفة، لما بينهم من الشبه في كشف حقيقة الأشياء و تمييزها، فالنور الحسي ينقطع بانقطاع أصله، و النور المعنوي الذي هو نور القلوب لا ينقطع أبدا، فلذلك أنشد الشيخ هذا البيت فقاله، و لذلك قيل:

إن شمس النهار تغــرب بليـــل *** و شمــس القلـوب ليســت تغيـــب

و ليس من عند المؤلف بل هو لغيره، و سيأتي في المناجاة بتمامه إن شاء الله، قال الشيخ زروق رضي الله عنه: فشمس القلوب لا تغيب أبدا، بل هي دائمة لا تنقطع، و باقية لا تنصرم لبقاء مددها، و هي معاني الأوصاف الربانية و دوام محالها .. و هي الآفاق الروحانية، فالمتعلق بها متعلق بحقيقة لا تنصرم، و من هذا الوجه كان غنى القوم بالله لا بالأسباب، و تعلقهم به لا شيء دونه/.

و هذا آخر الباب العاشر، و حاصلها، ذكر كيفية الجزاء على العمل و الزجر على طلبه و تحقيق معرفته في عطائه و منعه، و الاعتناء بإقباله و قبوله لا بخدمته، و دوام الاضطرار بين يديه و الافتقار إلى نعمته، و الاستيحاش من خلقه بدوام أنسه، ثم إشراق أنواره على قلوب أوليائه و أسرار أصفيائه جزاء لإقبالهم عليه و انحياشهم إليه، فإذا أتحفهم بذلك و هيأهم لما هناك تلى عليهم قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم) البقرة214، كما سيأتي في مستهل الباب الحادي عشر بإذن الله..

فهرس المواد


زور أيضا

Sagesse 46 arabe

لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله قلت: الناس في الخوف و الرجاء على ثلاثة أقسام: أهل البداية ينبغي لهم تغليب جانب الخوف، و أهل الوسط ينبغي أن يعتدل خوفهم و رجاؤهم، و أهل النهاية يغلّبون جانب الرجــاء. أما أهل البداية، فلأنهم...

Sagesse 80 arabe

قلـت: الطي هو اللف و الضم بحيث يصير الطويل قصيرا و الكبير صغيرا، يقال طويت الثوب أي ضممته، و ينقسم عند الصوفية إلى أربعة أقسام: طي الزمان و طي المكان و طي الدنيا و طي النفوس.. فأما طي الزمان فهو أن يقصر في موضع، و يطول إلى موضع آخر كمن مر عليه...

Sagesse 161

    قلت: العبارة لا تدل على نهاية المعبر، و لا وصوله إلى ما عبر عنه، فقد يعبر عن المقام من لم يصل إليه، و لكن استشرف عليه، و قد يعبر عنه من وصل إليه، و ربما عبر عن المقام و قدمه فوق ما عبر عنه، و ذلك ملتبس، إذ لا يعرف المستشرف...


تعليق (0)

تعليق جديد