الدواء الوهمي (placebo)

الدواء الوهم أو الدواء الكذب أو اللادواء في صفة دواء... كلها أسماء ومسيات يمكن أن يوصف بها "البلاسيبو"، ومن يتصور هذا الشيء(الدواء) يمكن أن يرسم معه هالة الكذب التي تحيط به من الأطباء المعالجين من جهة، ومن المرضى الذين لهم أمل في إيجاد حل لمشكلتهم الصحة ومعضلتهم المرضية من جهة أخرى..

وكما هي العادة، ولأهمية المنتوج، وجد له أدب طبي، وإن كان عنوانه الحالي: هو أنه لا يصلح إلا لتجربة مدى فعالية الدواء الحقيقي.. وذكر له تأريخ لا بد من سرد بعض منه حتى تتضح الرؤيا..

يذكر الباحثون في التراث الطبي أنه وجد في مدينة الأقصر التاريخية مخطوط فرعوني من البردي (papyrus Ebers) محرر في حوالي القرن السادس عشر قبل الميلاد... المخطوط يحتوي على 877 فقرة كلها تعرف بأمراض منها أمراض العيون والمعدة والقلب وحتى الجهاز التناسلي... ويقال أن مرض السرطان كان مذكورا فيه..

ما يهمنا هو أن باحثونا في الطب حاليا يقولون ان من 877 وصفة علاجية وجدوا 700 وصفة متنوعة و100 من هذه الوصفات، كانت (وهمية او كاذبة!) وهي التي تسمى الآن "بلاسيبو" (بدل أن يقال غير ذلك مما معقول كانت مصيبة أو مخطئة)...

إلا أنه ما ألحق بالبلاسيبو في القرن الثامن عشر، ما اخترعه طبيب نابوليون الثالث "جوزيف فرانسيس Joseph-Francis Olliffe" الإيرلاندي الأصل الإنجليزي المنشأ الفرنسي الجنسية، في وصفته الغريبة الأطوار، التي كان يصفها للعجز والبرود الجنسي وهي كما يلي:

Aqua fontis60غ منه+ Illa repetita40 غ + Idem stillata10غ + Hydrogeni protoxyde 0.30غ + Nil aliud 1.25غ، يخلط الجميع خلطا محكما ويؤخذ منه 5 نقط قبل الأكل...

وأعطى الدواء مفعوله العجيب لآخذيه إلى أن جاء من كشف سر هذا الدواء الفعال فقال:

* 1) Aqua fontis = ((eau de fontaine هو ماء العيون..

*2) Illa repetita = ((la même répétéeمثله مكرر،يعني ماء مرتين..

*3) Idem stillata = (la même distillée) مثله مقطر..

*4) Hydrogeni protoxyde = (H2O : formule chimique de l'eau) وهي التركيبة الكيميائية للماء..

* 5) Nil aliud= (rien autre chose) ولا شيء غير ذلك.. يعني أن الدواء كله هو الماء... ولا شيء غير الماء./.

ابتدأ العمل بالدواء الوهم (أو بعبارة أصح: بالكذب على المرضى) في المستشفيات الحكومية سنة 1834 على يد د. "أرنولك تروسو Armand Trousseau" حيث كان يوهم المرضى او يكذب عليهم بأقراص مصنوعة من لباب الخبز، وهو تعلمها من أساتذته الذين كانوا يعطون ذلك للمرضى في منازلهم..

استعمل ذلك بعد الحرب العالمية الثانية على إثر ما نشر من تجارب حصلت خلال الحرب نفسها حيث كانوا يكذبون على الجنود المرضى بمثل هذه الأمور وكانت نتائج الشفاء تصل إلى 35 % ..

دخل البلاسيبو (الدواء الوهم) ميدانا تجريبيا في سنة 1949 في أمريكا على يد العقيد الطبيب "أوكلد" بطلب من البنتكون الأمريكي قبل الدخول في صفقة دواء لجنود البحرية "المارينز" الذي أصيب بنزلات برد نتيجة التداريب الشاقة التي كانت تتهيأ القوات الأمريكية له بعد الحرب العالمية الثانية.. والدواء كانت تسوق له بعض الشركات المنتجة فكان ما يلي:

قسّم العقيد الطبيب المرضى إلى 3 أقسام في المستشفى العسكري...

* جزء أعطاه الدواء المنتوج والمسوق له من شركة الأدوية، وهو مضاد هزتاميني (Anti-histaminique )..

* وجزء آخر اعطاه دواء وهم(مكذوب) لكنه بنفس مواصفات الدواء المسوق له باللون والشكل وحتى العلبة.. أما محتوياته فهي مجرد سكر الحليب (Lactose)...

* وجزء من المرضى لم يعطه شيئا... فكانت النتائج بعد أسبوع كما يلي:

الذي أخذوا الدواء(المضاد الهوتاميني)، والذين أخذوا الدواء الوهم، سكر الحليب (Lactose)، امتثلوا للشفاء بوثيرة واحدة، بعد 5 أيام نقصت أعراض الزكام (قلّت الحمى وألم الرأس والكحة...)، وبعد أسبوع امتثلوا للعلاج نهائيا..

أما الثلث الذين لم يأخذوا شيئا بقيت أعراضهم كما هي.. فكان تقرير د. هكلند كما يلي:

أن الدواء (المضاد الهزتاميني) ليس دواء، وإنما هو (برسيبو) يرفع الإيحاء (suggestion) عند المريض فقط، فألغيت صفقة الدواء مع الشركة..

ومنذ ذلك الحين في أمريكا، تركزت أبحاث الدكتوراه على هذا الدواء الوهم "بلاسيبو".. كيف هي تأثيراته، وما هي إيجابياته، وسلبياته، وذلك فتح أبوابا كثيرة لم تكن قبل ذلك اليوم معتبرة.. فمنهم من أستحسن الدواء الوهم في كثير من الأمراض (خصوصا التي لا يعرف لها سبب) كاضطرابات ضغط الدم والتهاب العظام والشقيقة والضيقة وبثور الجلد خصوصا الإكزما... والأهم منه أن الدواء الوهم ليست له أعراض جانبية... إلا أنه بعد ذلك عرفت له أعراض جانبية، كيبوسة الفم والجيشان والحمى والإحساس بالعياء وطنين الأذنين...

وتشعبت الأبحاث خصوصا في امريكا منذ ذلك الوقت حتى قال بعضهم: أن حوالي 35% من مجموع المرضى قابلين للدواء الوهم أو حساسين له، ونعتوا بأنهم: (ينفع فيهم الدواء الوهم) (placebo-sensibles ) وبدأوا في تشخيص ميزاتهم.. أنهم الأشخاص السريعي التأثر (Emotifs، و المتلهفين الذين يبدو عليهم أثر القلق أو الهموم (anxieux).... أما الأشخاص الملحة والصلبة التي تُبدي كثيرا من التطلع في الفهم، هم أقل الناس تأثيرا و استجابة للدواء الوهم"البلاسيبو"..

و فتحت أبوابا أوسع في التعرف على هذه الشخصية "القابلة للبلاسيبو" بين السن والوسط الاجتماعي والميولات والتأثيرات والسلوكات المميزة لهذه الشخصية العجيبة التي تمتثل للدواء بلا دواء، والأخرى التي تتأخر استجابتها للشفاء ولو بالدواء...

و ذكر "د. كاربروفيتش" في تجاربه، أن الدواء الوهم يعطي النتائج أفضل من الأدوية "المنبهة" (Amphétamine) كالتي تعطى للرياضيين قصد تشجيعهم و تنبيههم مثل الكافيين أو الكوكايين أو الستريشين ... بحيث أنه سُجل أن الدواء الوهم حقق النجاح في 132 %، بينما الدواء المنبه لم يحقق إلا 80 % ..

واهتدى من الأطباء من ينبه إلى الفرق بين الخيانة الطبية و رفع الإيحاء عند المريض، و اقترح التمسك بإعطاء دواء فيه أمل.. و لو كان قليلا في الشفاء، خير من إعطاء دواءٍ وهم.. كاذب، لا نصيب له من الصحة..

وفي السنين الأخيرة بدأت تظهر أخلاقيات للطب الحيوي الحديث، ذلك أن الطبيب المعالج ملزم برسم مخطط مستقبلي لوصف الدواء الوهم للمريض، وعلى إثر دراسة أجريت في 2008 وجد أن 45% من الأطباء الإكلينيكيين في أمريكا يصفون لمرضاهم دواء وهْم(كاذب).. و 34% من الأطباء يقولون لمرضاهم على الدواء الوهم: أن هذا دواء (يمكن أن يعينك في مرضك وليست له أعراض جانبية)، و 9% يقولون أن هذا دواء ليس بالنجاعة المطلوبة... بينما 4% فقط يخبرون مرضاهم حقيقة الأمر: أن هذا ليس دواء وإنما هو وهم فقط...

بعد سنة 2000 نحى البلاسيبو نهجا أعمق، منها ان الطبيب الفرنسي جون جاك أولاس (Dr Jean-Jacques Aulas)، صنع أول بلاسيبو رسمي يباع تحت اسم (Lobepac) وأخذ أبعاد إعادة ترتيب الأحرف للدواء الوهم (anagramme de placebo) و اخذ شهرة: الإكسير النفسي الفعال (élixir psycho-actif) وظهر على لونين: مهدئ بلون أزرق (sédative bleue) أو منشط بلون أحمر (tonique; rouge) .. مكتوب على ورقته يحتوي على محلول هدرو كحولي (solution hydro-alcoolique) والجليسيرول وملون تحت أرقام: (E 131 ou E 124).. اما طريقة استعماله ف: 10 نقط في اليوم على الأكثر تخلط مع ماء محلى ولا يترك في الفم أكثر 10 ثواني.. وعند اخذها يركز المريض على النتائج المروجوة!!!..

وفي سنة 2002 وقعت التجربة على 180 شخص مصابين بداء مفاصل الركبة (arthrose du genou)، وأجريت لهم جراحات تقليدية (chirurgie classique) أو جراحة وهمية "كاذبة" (chirurgie placebo)... (وللعلم ان حتى الجراحة أصبحث وهمية "كاذبة"، يعني ان الطبيب الجراح يخدر المريض وتجرى له جراحة فقط صورية، ثم يخاط بعد ذلك حتى يتوهم المريض ان العملية قد حصلت...).. المهم ان النتائج للذين أجريت لهم عمليات حقيقية والذين تم الكذب عليهم بالجراحة كانوا على قدم المساواة في الامتثال للعلاج...

وفي نفس السنة وقعت دراسة في الجراحة العصبية (neurochirurgie) على 40 حالة مرضية بالباركينسن (maladie de Parkinson) حيث جربوا فيهم زرع مخ من خلايا الجنين (greffe cérébrale de cellules fœtales) من الآخرين الذين أجريت لهم عملية صورية "كاذبة" فوجدوا ان الذين زرعت لهم خلايا الجنين تحسنوا أكثر من غيرهم..

ولا تزال الأبحاث التي لا تنتهي (ويستحسن ان نسميها: الأبحاث الوهمية "بلاسيبو") في هذا الدواء اللادواء أو الوهمي أو الكاذب "بلاسيبو".. وإلى الآن يبقى سر الدواء الوهم حديث يتنامى بين أوساط الأطباء وصناع الأدوية، وبين الإشهار والتمثيل ومؤتمرات الأطباء والمتخصصين في شروحات لا تنتهي...

و يبقى سؤال "د. هنري فور" يجلجل في الآذان: كيف لا يمكن أن نتهم هذه الأدوية(كلها) أنها وهمية.. لما نراه من أسمائها الموهمة، و كذلك من الجيوش الجرارة، التي ترافق الدواء و تقدم له، أو توهم الأطباء بمفعول لا وجود له؟؟؟...

وأخذت الأبحاث أخيرا منحنى أقرب ما يكون إلى الجدية، وذلك في البحث عن المحددات الوراثية (Déterminants génétiques) لهذه التأثيرات.. هل قوة الفكر هي المؤثرة في هذه الحالات؟ عندما يأخذ المريض شيئا يظنه دواء، فإن ذاته تتفاعل مع هذا الإحساس فيحصل تحسن؟؟

في سنة 2007 أجرت دراسة، فوجد أن ناقلا عصبيا في المخ (neurotransmetteur) هو الدوبامين (dopamine) (ومعلوم الدوبامين تفرزه بعض الخلايا العصبية من التيروزين وحمض أنيمي، ويتكون من البروتينات الغذائية)..

المهم أن الدوبامين حسب البحث هو السبب في هذه التغيرات، فقد لوحظ ارتفاعه عندما يكون التوهم بالدواء، ولكن يبقى لماذا يكون بمختلف الكميات عند الأفراد.. هل هي قضية نفسية؟؟ أو تكوين فردي للمريض؟؟...

وعلى إثر الباحثين في مركز بيث "إسرائيل" الطبي (Beth Israel Deaconess Medical Center) في امريكا.. أن الأمر يتعلق بجين يوجد في دوبامين المخ يسمى جين "كومت" (gène Comt (catéchol-O-méthyltransférase)..

طلعت أخيرا إصدارات من هذا الجين عرفت بتدخلها في بعض الأعراض انها مرتبطة ب"الدوبامين" كالآلام بينما وجد أن "الباركنسون" يحتاج إلى تركيز أكثر من الناقلان العصبية (neurotransmetteurs) ولا يوجد غير (Comt) الذي يفي بالغرض، وهو الذي اعتبر موضوعا في بحث البلاسيبو.. والدوبامين يعتبر من فصيلته..

ووجد فريق آخر أن مادة "السيروتونين" (sérotonine) ناقل عصبي آخر، وله مفعول أحسن من الدوبامين...

وأخيرا يقول الخبراء أن كل هذه الأبحاث لم تكن إلا على الأمراض، وهذا إنما هو مؤشر على أن كل الحالات لا تشتبه مع بعضها، يشترط أن يكون البحث أعمق، لتحديد طريقة عمل الدواء الوهم "بلاسيبو"..

هكذا انتهى البحث حاليا على الدواء الوهم الذي ابتدأ العمل عليه والبحث فيه منذ سنة 1949 في أمريكا، وكان له قدم السبق في فتح البحوث، وصدرت بعض رسائل دكتوراه في حينها، اما الغرب فلم تكن رسائله إلا على رؤوس أصابع اليد.. ونحن وصلنا إلى 2016 ولا يزال الدواء الوهم "وهم" يجوب الآفاق الطبية، ولا يجد فراغا إلا ملأه، وما أكثر الفراغات!!... قال تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ..

ولا يزال الكلام شارد عن مضمونه الحقيقي في موضوع الدواء الوهم، لكن الذي يثير الحفيظة فيه ليس هو بعينه.. "وهذا جوهر الموضوع"، وهذا الذي تخطاه صناع الأدوية وغضوا عنه الطرف!.. وقد برزت في فجر البحثوث ملاحظات لها في الأهمية مركز.. هو ما يرفع الاستعداد للعلاج عند المريض بهذا الدواء الوهم، او بعبارة أخرى: ما هو الحافز لهذه المادة كالدوبامين او السيروتونين.. أو ما سيذكره الباحثون بعد حين.. وهو ما سماه الأطباء أخيرا: الإيحاء الذاتي (autosuggestion)

فهرس المواد


زور أيضا

الحجامة الفعلية:

* يعقم الموضوع المراد حجامته بمطهر طبي (كحول مركز) ، ويستحسن وضع علامة على كل موضع إن كانت متعددة قبل تطهريها إن كان يخشى الحجام أن ينساها أو تلتبس عليه.. ثم يضع الكأس على الموضع (يستحسن أن تذهن حواشيه بقليل من زيت الزيتون الخالص، أو على الموضع...

فوائد ومزايا أخرى للحجامة:

* الحجامة لها تأثير جدي في إزالة القلق (effet anxiolytique) .. وهذا يعرفه المحجم له، أنه يجد راحة كبيرة بعد قيامه بالحجامة، وإذا نام يجد راحة كبيرة، وعند قيامه من النوم يجد فيه حيوية ونشاطا، وكأنه نشط من عقال كما يقال... وجهاز الرسم...


تعليق (0)

تعليق جديد