الحجامة على الورك:

   وقد وردت أحاديث شريفة في حجامة الظهر، تدقيقا في الورك، ويعتبر من أسفل الظهر كما ورد في سنن أبي داود من حديث جابر: "أن النبي  صلى الله عليه وسلم  احتجم على وركه من وثء كان به".. ولا حاجة لإعادة أقوال شراح الحديث لأن جل شروحهم أحاطت بمعاني الكلمات فقط، وهو كذلك مجهود لا يستهان به..

   أما إذا أردنا تحليل الحديث الشريف من كل الزوايا العلمية والطبية فإننا نجده فتح بابا لعلم الحجامة على الظهر لا نظير له، وإلى الآن لم اجد من استثمره على ضوء الحديث الشريف وإن كان الجم الغفير من الباحثين إتبع فيه خطوط الطاقة في الطب الصيني... وهو كذلك مجهود لا يستهان به..

   الوثء في الحديث هو الألم الشديد، ومعناه أنه لو لم يكن معرقلا لسير النبي الكريم على الخطى الربانية ما كان ليلتفت إليه.. أما الورك فهو التقاء عظم الفخد مع الحوض، والعلة عادة لا يكون مركزها موضع الألم، ولكنها تعكس خللا في موضع ثاني من الظهر خصوصا من العمود الفقري وناذرا ما تكون من وسط البدن..

   إذن هي نهايات عصبية (terminaisons nerveuses) لمنطقة جلدية حصل لها نوع من التصلب.. أما الحال الشائع في هذه الإصابات أو الوثءات المعبرة هو عرق النسا (sciatique) والتي يكون من اهم أسبابها انزلاق غضروفي (hernie discale)... والكل يعلم أن حساسية الجسد كلها مضمونة من هذه الأعصاب التي تخرج من العمود الفقري..

    باختصار شديد آلام عرق النسا على الظهر أو على الورك هي آلام شديدة جدا، يصعب فيها حتى التحرك في الفراش، ولا نقول الركوع ولا السجود ولا القيام.. وإلى الآن فالمسكنات الثقيلة لا تنفع مع هذه الآلام..

   أما الأسباب فهي محصورة في حمل ثقل فوق الطاقة أو حركات متهورة.. أو حادثة من الحوادث مثل ما يحصل اليوم في حياتنا اليومية، وكل هذا أكيد أنه مستبعد من حياة الرسول الكريم (لمن علم انه الرحمة المهداة)، ولكن أجدني مضطرا إلى ذكر سبب آخر ، ولا يتطرق إليه عادة علماء اللغة لاكتفائهم بالمعاني الظاهرة، أو عمدا لكي لا يفتحوا لغير السالكين أبواب الوهم.. وهو أن للأنوار الربانية والأسرار الإلهية أثقالا تخرق باطن الإنسان، تبعا لطبيعة النور أو السر وقوته ومدى علاقته بالعضو المرتبط به ظاهرا أو باطنا... (وربما هذا كلام أقوى مما يتصوره أهل العادة أو الناظرون لوظائف الأعضاء من الوجهة الظاهرة).. ولكن نذكر هذا ولو بتلميح وعجالة لأن له أهمية في حياة المؤمن وسند في فهم السير إلى الله تعالى..

   أما دليله من كتاب الله قال تعالى مخاطبا الرسول الكريم ومن خلاله سائر المؤمنين والمتقين: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا.. وقوله تعالى في تنزيله: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.. وقوله تعالى في وصف ثقله: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ...

   وقد سئل الرسول الكريم عن كيفية نزول الوحي فقال صلى الله عليه وسلم: "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعى ما يقول"..

   وتروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً... وقالت رضي الله عنها: إِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا.. (والجِران هو باطن عنق الدابة أو البعير)

   ويصف زيد ابن ثابت حال نزول الوحي على الرسول الكريم وهو متكئ على رجله يقول: حَتَّى تَكَادَ رِجْلِي تَنْكَسِرُ مِنْ ثِقَلِ الْقُرْآنِ، وَحَتَّى أَقُولَ: لَا أَمْشِي عَلَى رِجْلِي أَبَدًا..

   فالوحي العظيم عندما نزل على الرسول الكريم تشربه بطريق لا يطيقها غيره صلى الله عليه وسلم، وكل من كان له نصيب في حقيقة سنته الطاهرة المطهرة الزكية فإنه يتذوقه على قدر طاقته وعلى قدر مبلغه من حقيقة السنة، ويحمل من ثقله على قدر ما يطيق من الأنوار والأسرار..

   أذكر هذا لعل الأطباء المسلمين يضيفون شيئا إلى معلومهم، فكثيرا ما يقفون على علل ليس لها أسباب، ولعله كذلك ينفع السائرين في طريق الله.. فهذه الأثقال تنزل على موضعين من الجسد كل حسب أصلها، اما العلوم (وهو العلم الرباني الذي فيه نفع الناس) فينزل ثقله بين الكتفين، وبالتحديد على الكاهل، اما الحِمل (وهي مسؤولية الغير في العمل وتأثيره) فينزل في أسفل الظهر وغالبا ما يسبب النتوء الغضروفي، ويتأذى منه الورك... .

    وعادة هذه الآلام، او بلغة أخرى: هذه المتغيرات على مستوى وظائف الأعضاء.. هي في الواقع واردات عليها، والمعلوم في علم الطريقة أن الوارد لا يأتي بسبب ولا يرفع بحيلة، ولكنها هبة من الله لك تؤهلك إلى مقام أعلى وحال أسمى.. فلا يجب ان تكبح هذه الواردات، ويجب ان تأخذ وقتها للدخول بعد استكملت وقتها في الوصول.. ويجب أن تصل إلى منتهاها لتحقق مبتغاها... في العلم والصبر والحلم والكرم.... هذه الواردات في علم الطريقة !!!.

   أما كابحاتها فهي ما وردت في حديث الحبيب المحبوب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: عُرضت علي الأمم.. فأجد النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده.. فنظرت فإذا سواد كثير قلت يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال لا.. ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير.. قال هؤلاء أمتك.. وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب قلت ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ).. فقام إليه عكاشة بن محصن فقال ادع الله أن يجعلني منهم قال (اللهم اجعله منهم) . ثم قام إليه رجل آخر قال ادع الله أن يجعلني منهم قال ( سبقك بها عكاشة )..

   وأما ما نريد الوصول إليه من خلال هذا السرد الطويل: هو ان الوارد إذا ورد، وحصل منه أثر على الجسد، فلا يجب تغييره بالرقية أو الكي.. لأن الرقية سر من أسرار الله في الرحمة والنار سر من أسرار الله في العذاب، وكلاهما يبطل سر الوارد فلا يصل في العبد إلى منتهاه، ومن قبِله كما هو فإنه يدخل بالحق على الباطل في طبيعة الإنسان البشرية فيزهقها شريطة ألا يتطير المؤمن بهذا الوارد إن رأى له آثارا صعُب عليه تقبلها، وكذلك إذا كانت فيه مبشِّرات او علامات فلا يعتمد عليها من دون الله فتنصرف همته إلى النظر إلى النور وينسى الرب الغفور...

   أما حجامة النبي الكريم على الموضعين خصوصا الكاهل والورك، فإنه سنة باطنة وطب ظاهر بين واضح لا تبطل للوارد مفعوله الرباني... وبلغة طبية ليست له أعراض جانبية في الإيمان ولا في الأبدان...

   وأظن أن في هذا كفاية لمن ألقى السمع ونفذ به إلى جواهر الأمور ولم تفُته المعاني في الظواهر وحتى في القشور... .

   ومن فهم رقائق ودقائق الحجامة على الورك صح له أن يقيس عليها الحجامة التي تنفع سائر أعضاء الجسد والتي هي على صلة مباشرة مع أعصاب الظهر التي تخرج من العمود الفقري يعني من الحبل الشوكي، ولا بد من إعطاء لمحة على الجهاز العصبي حتى تتسع الرؤيا وتتضح...

فهرس المواد


زور أيضا

الآية الثالثة من آيات الشفاء:

وجاءت في سورة النحل الآية 69 ونصها: يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ.. ومفاذ الآية العظيمة انها تدل على هذا المشروب التي تفرزه هذه الحشرة الطاهرة (النحل) التي تشتغل بوحي من الله، والذي أوجد...

مواضع الأخدعين والكاهل:

الأخدعين: الأخدع هو موضع يقع فوق العرق الوريدي الخارجي من كل جهة من العنق (veine jugulaire externe) وهو موضع حساس جدا للحجامة، لأن التشريط العميق يمكن أن يصيب العرق فتصعب السيطرة عليه، أو تضغط المنطقة بكاسات الهواء فيقع المحجوم في الإغماء اللحظي...

نظرية الأوتار(Théorie des cordes)

نظرية الأوتار، أو نظرية الأوتار الدقيقة كما تسمى بالإنجليزية (Superstring theory) أو نظرية البنية الفوقية، وهي النظرية العلمية التي تجمع بين الكائنات المتناهية في الكبر كالأرض والجبال والبحار وما حولها والكواكب والنجوم وما بينها... و...


تعليق (0)

تعليق جديد